كتاب رائ وعالمية

مواطن إماراتي يكتب.. سياسة الدولة الإماراتية أخطاء استراتيجية وتكاليف مرتدة

الخرطوم| الان نيوز

كتب المواطن الإماراتي حمد الشامسي تغريدة على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي أكس اطلع عليها موقع الان نيوز الالكتروني الاخباري قال فيها منذ عام 2011 تبنّت الإمارات سياسة خارجية أكثر جرأة وتدخّلًا، مبتعدةً عن نهجها التقليدي الحذِر. فقد اندفعت أبوظبي – بقيادة ولي عهدها آنذاك محمد بن زايد – لملء الفراغ الإقليمي بعد تراجع بعض القوى وصعود موجة الربيع العربي. بدافع طموح جامح لبسط النفوذ الإقليمي والخشية من تغييرات تهدد الوضع القائم، شاركت الإمارات مع السعودية في “ثورة مضادة” هدفت لإحباط الانتفاضات الشعبية وترسيخ الأنظمة الحليفة .

ضخت أبوظبي الأموال لدعم الأنظمة العسكرية وإسقاط الديمقراطيات الحديثة، وتورطت عسكريًا في صراعات ممتدة من اليمن إلى ليبيا. لكن هذه المغامرات الخارجية جاءت مرتفعة الكلفة؛ فبدلًا من تعزيز المكانة الإماراتية، تسببت في انتكاسات وصراعات استنزفت الموارد وخلقت ارتدادات عكسية غير محسوبة

خلية التجسس في عُمان

أولى المؤشرات المقلقة ظهرت مع الجار الخليجي سلطنة عُمان. ففي عام 2011 كشفت مسقط عن تفكيك شبكة تجسس تابعة لجهاز أمن الدولة الإماراتي استهدفت نظام الحكم والجيش العُماني . تكرّر المشهد في 2019 مع ضبط خلية تجسس إماراتية جديدة ضمت 5 ضباط إماراتيين ومتهمين عُمانيين . ورغم محاولة وزير الخارجية العُماني يوسف بن علوي التقليل علنًا من الحادثة بقوله إنها أمور تحصل “بين الجيران” ، فإن هذه الفضائح هزّت الثقة بين البلدين. دفع هذا السلوك أبوظبي ثمنًا دبلوماسيًا عبر فتور علاقاتها مع مسقط، التي باتت تتعامل بحذر شديد مع طموحات الإمارات الإقليمية

حصار قطر

في يونيو 2017، انضمت الإمارات إلى السعودية والبحرين ومصر في فرض حصار شامل على قطر، سعيًا للضغط على الدوحة لتغيير سياساتها المتعلّقة بدعم حركات الإسلام السياسي وعلاقاتها مع إيران. لكن هذه المغامرة عادت بنتائج عكسية وأثمان اقتصادية وسياسية. فقد نجحت قطر في امتصاص الصدمة عبر إيجاد مسارات إمداد بديلة وتعزيز إنتاجها المحلي، رغم تكبّدها خسائر قُدّرت بحوالي 43 مليار دولار خلال سنوات الحصار . بالمقابل، تكبّد المحاصرون خسائر أيضًا؛ إذ انهارت تقريبًا حركة التجارة البينية التي كانت تربط الإمارات بقطر (والتي بلغت نحو 7 مليارات دولار سنويًا قبل الأزمة )، وفقدت شركات إماراتية فرصًا في السوق القطرية. وعلى الصعيد الاستراتيجي، أدى الحصار إلى نتائج عكسية تمثّلت في تقارب أوثق بين قطر وكلٍ من تركيا وإيران – الخصمين الإقليميين لأبوظبي – وتعزيز استقلالية القرار القطري. وفي النهاية، اضطرّت دول الحصار لإنهاء الأزمة بتوقيع اتفاق العلا مطلع 2021 دون أن تحقق الإمارات وحلفاؤها أياً من شروطهم المُعلنة، ما جعل حصار قطر مغامرة مكلفة لم تثمر سوى انقسام الخليجيين وإضعاف اللحمة الإقليمية

دعم قوات الدعم السريع في السودان

شكّل النزاع الدموي الأخير في السودان اختبارًا جديدًا كشَف تداعيات السياسات الإماراتية. فمنذ سقوط عمر البشير في 2019، انخرطت أبوظبي بعمق في المشهد السوداني، عبر علاقة وثيقة بنائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع. دعمت الإمارات – لأسباب جيواستراتيجية واقتصادية – قوات حميدتي بالاستثمارات وشراء الذهب السوداني، وحتى بتزويده بالعتاد بشكل غير مباشر. بيد أن اندلاع الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني في أبريل 2023 وضع أبوظبي في موقف حرج. فالصراع تحوّل إلى كارثة إنسانية، إذ تشير تقديرات مستقلة إلى مقتل ما يصل إلى 150 ألف شخص خلال الشهور الأولى من الحرب – رقم يفوق بكثير الأرقام الرسمية المعلنة . ووجّهت أصابع الاتهام إلى داعمي حميدتي الخارجيين، وفي مقدمتهم الإمارات: وصلت الاتهامات حدّ قيام حكومة الخرطوم برفع قضية ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية بتهمة انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية عبر دعم مليشيات متورطة في فظائع بدارفور. ورغم نفي أبوظبي أي دعم عسكري لأي طرف، اعتبر خبراء أمميون ونواب أمريكيون تلك الاتهامات ذات مصداقية . النتيجة أن صورة الإمارات تضررت في السودان وخارجه. هكذا وجدت أبوظبي نفسها متورطة في صراع فوضوي جديد، يدفع كلفته الباهظة الشعب السوداني وسمعة الإمارات الإقليمية

دعم حفتر في ليبيا

في ليبيا، راهنت الإمارات بقوة على الجنرال خليفة حفتر كحصان رابح لإحكام السيطرة لصالح معسكر مناوئ للإسلاميين بعد ثورة 2011. فمنذ اندلاع الصراع الأهلي، قدّمت أبوظبي دعمًا عسكريًا ولوجستيًا هائلًا لقوات حفتر في الشرق، بما في ذلك تزويده بطائرات مسيّرة ومنظومات هجومية متطورة رغم حظر الأسلحة الأممي ، وجلبت آلاف المرتزقة من تشاد والسودان للقتال إلى جانبه . ساهم هذا الدعم في تأجيج الحرب الأهلية الليبية وتعميقها، وسمح لحفتر بشن هجوم واسع على طرابلس عام 2019. لكن الحملة انتهت بالفشل الذريع؛ إذ تمكنت حكومة الوفاق في طرابلس – بدعم تركي مباشر – من صد قوات حفتر بحلول منتصف 2020، مما أجبره على التراجع شرقًا . شكّل تراجع حفتر خيبة أمل كبيرة لحلفائه الخارجيين – وعلى رأسهم الإمارات – التي أنفقت الكثير لتعزيز نفوذه . وبدل تحقيق نصر سريع، وجدت أبوظبي أنها أسهمت في إطالة أمد النزاع الليبي وتأزيم الوضع الإنساني هناك، حيث سقط آلاف المدنيين ضحية القتال وغارات الطائرات الإماراتية المُسيرة . كما أدى انخراطها الأحادي إلى توتير علاقتها بأطراف دولية (كالولايات المتحدة التي عارضت هجوم طرابلس) وبقوى إقليمية داعمة للحكومة المعترف بها.

في المحصلة، كشف الملف الليبي حدود القوة الإماراتية عندما تتجاوز قدرتها على فرض تسويات سياسية، وأثبت أن خيار الحسم العسكري المفضّل لأبوظبي قد يرتد عليها بتبديد نفوذها وكسب عداء أطراف ليبية واسعة

شرعنة بشار الأسد

منذ اللحظة الأولى للثورة السورية، كان موقف الإمارات أكثر غموضًا من سواه. ورغم التصريحات المعلنة التي اتخذت طابعًا “محايدًا”، لم تُخفِ أبوظبي قلقها من سقوط نظام الأسد الذي طالما اعتبرته – مع كل وحشيته – جدار صدّ ضد أي شكل من أشكال التغيير الشعبي أو صعود الإسلاميين. فاختارت الإمارات، مبكرًا، الاصطفاف خلف الستار مع الجزار.

لسنوات، مارست أبوظبي دور الداعم الصامت لنظام بشار الأسد: معلومات استخباراتية، تنسيق عبر أجهزة أمنية، وحتى تسهيلات مالية وتجارية عبر واجهات. لم تُعرف الإمارات يومًا بموقف داعم للثورة السورية، بل كانت تخشى “عدوى التغيير”، وترى في بقاء الأسد ضمانة لاستقرار “جيوسياسي” حتى لو جاء ذلك على حساب مئات آلاف القتلى وملايين المهجّرين.

لكن الأسوأ لم يكن هذا التواطؤ الصامت، بل الانتقال الوقح إلى العلن. ففي 2018، قررت الإمارات إعادة فتح سفارتها في دمشق، لتكون أول دولة عربية تكسر عزلته، وسط دماء لم تجف، وجرائم لم تتوقف. ثم استُكمل المشهد باستقبال بشار الأسد مرتين في أبوظبي بزيارات رسمية مهيبة، في وقت ما زالت فيه آلاف النساء والأطفال يقبعون في معتقلاته تحت التعذيب.

أبوظبي لم تُخفِ نواياها؛ قالت إن الهدف هو “احتواء النفوذ الإيراني”، وكأن إعادة تأهيل النظام الذي سلّم سوريا لإيران وروسيا على طبق دموي يمكن أن تنقذ سوريا أو تعيدها إلى الصف العربي. الحقيقة أن الإمارات دعمت بقاء الأسد كرمز لتحالف الأنظمة القمعية، وقدّمت له غطاءً عربيًا ودبلوماسيًا قبل أن يتوقف القتل أو يُحاسب المجرمون.

في سوريا، كما في غيرها، وقفت الإمارات مع الطاغية، لا مع الضحية. خسر الطاغية و خسرت الإمارات مرة أخرى

الحرب في اليمن

لا تكاد مغامرة خارجية تجسد الكلفة الباهظة للاندفاع الإماراتي مثل مشاركتها في حرب اليمن. دخلت الإمارات الصراع في 2015 ضمن التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين، رافعة شعار إعادة الحكومة الشرعية ومنع تحول اليمن إلى قاعدة نفوذ إيرانية على حدود الخليج. في البداية حققت القوات الإماراتية نجاحات عسكرية مهمة في جنوب اليمن وساحله الغربي، لكنها سرعان ما تورطت في مستنقع الحرب المعقدة.

تكبدت الإمارات خسائر بشرية فادحة – منها مقتل 45 جنديًا إماراتيًا في يوم واحد بهجوم صاروخي للحوثيين في سبتمبر 2015 – وجُرّت إلى مواجهة طويلة استنزافية. ورغم تفوقها العسكري، وجدت أبوظبي نفسها أمام عدو شرس وحرب عصابات لم تحسمها الغارات الجوية. وبمرور الوقت، بدأت أهداف الإمارات في اليمن بالابتعاد عن أهداف حليفتها السعودية؛ حيث دعمت أبوظبي ميليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي الساعية للانفصال، في حين تمسكت الرياض بدعم حكومة الرئيس هادي. هذا التباين ولّد صدامًا بين الحليفين ظهر للعلن في عدة محطات (مثل اشتباكات عدن 2019). ومع استمرار الحرب التي وصفتها الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية عالمية – حيث تسببت في مقتل مئات الآلاف بين قتيل وجريح وجائع – أعادت الإمارات حساباتها. ففي 2019 أعلنت سحب معظم قواتها البرية من اليمن، في خطوة وُصفت بأنها “إعادة تموضع” لتقليل الخسائر مع الإبقاء على نفوذها عبر وكلاء محليين. صحيحٌ أن أبوظبي نجحت في تأمين مصالحها جزئيًا (كسيطرتها غير المباشرة على موانئ وجزر يمنية استراتيجية)، إلا أن الحرب اليمنية كلفتها سمعةً دولية سيئة بسبب دورها في كارثة إنسانية ، وأوقعتها في نزاع مفتوح أنهك مواردها العسكرية والمالية دون نصر حاسم. وهكذا أصبحت اليمن مثالًا صارخًا لـ“المغامرة مرتدة التكلفة” التي دفعت الإمارات إلى التراجع وإدراك حدود قوتها أمام تعقيدات المنطق

دعم السيسي في مصر

بعد الإنقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي صيف 2013، برزت الإمارات كداعم رئيسي للنظام الجديد بقيادة عبد الفتاح السيسي، في إطار حربها المعلنة على الإخوان المسلمين. لم تدخر أبوظبي مالًا أو جهدًا في ترسيخ حكم السيسي؛ فقد قدّمت مساعدات بمليارات الدولارات إلى جانب السعودية والكويت. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي ما تلقته مصر من دول الخليج يفوق 100 مليار دولار منذ 2013 – بينها ودائع إماراتية قيمتها 6 مليارات في البنك المركزي وقرض نفطي إماراتي بـ8.6 مليار دولار لتأمين الوقود . هذه الأموال الضخمة ساعدت في استقرار حكم السيسي اقتصاديًا خلال سنواته الأولى وكسب ولاء القاهرة السياسي لأبوظبي، مجسدة انتصارًا لمعسكر الثورة المضادة في أكبر بلد عربي. لكن السنوات اللاحقة كشفت عن جانب آخر من الصورة؛ فمصر اليوم ترزح تحت أزمات مالية خانقة رغم كل الدعم، واحتياجها المستمر لحزم إنقاذ جديدة يضع عبئًا متواصلًا على كاهل الإمارات. بعبارة أخرى، تحوّل دعم الإمارات غير المشروط للسيسي إلى التزام طويل الأمد مكلف ماليًا. أضف إلى ذلك الضرر المعنوي؛ فقطع الطريق على التحول الديمقراطي في مصر رافقه قمع دموي (مثل فض رابعة 2013) وانتهاكات حقوقية واسعة، الأمر الذي ألقى بظلاله على صورة الإمارات وهكذا دفعت أبوظبي فاتورة باهظة لدعم حليفها المصري – اقتصاديًا عبر استمرار نزيف المساعدات، وأخلاقيًا عبر الارتباط بسلطة مستبدة تواجه سخط شعبها المتزايد

خاتمة: من هو المسؤول

بعد عقد من التمدد والتدخل، تجد الإمارات نفسها أمام لحظة مراجعة لا مفر منها. المصالحات الشكلية مع تركيا وقطر وإيران قد تخفف التوتر مؤقتًا، لكنها لا تعني أن السياسة الخارجية تسير على المسار الصحيح. المطلوب اليوم هو تحوّل عميق في العقلية، يقوم على احترام إرادة الشعوب، والتوقف عن رعاية الانقلابات والحروب بالوكالة.

إذا أرادت الإمارات أن تستعيد شيئًا من مكانتها ومصداقيتها، فعليها أن تفكك تحالفها مع أنظمة القمع، وتتراجع عن دورها كفاعل عدائي في الإقليم، وتعيد تعريف نفسها كدولة تنموية محايدة لا تستخدم المال واللوبيات لفرض إرادتها على الآخرين.

المسؤول الأول عن هذا التدهور في السمعة والدور هو مركز القرار في أبوظبي، الذي احتكر السياسة الخارجية وحوّلها إلى أداة لتصفية الحسابات الأيديولوجية. كما أن مساهمة أجهزة الأمن، والإعلام الموجّه، والمستشارين ذوي الخلفيات الأمنية لعبت دورًا أساسيًا في إيصال الإمارات إلى هذه النقطة من العزلة الإقليمية والارتباك السياسي. وإن لم تكن هناك مراجعة حقيقية ومحاسبة داخلية، فالقادم قد يحمل ارتدادات أكبر مما رأيناه في العقد الماضي

زر الذهاب إلى الأعلى