منشور مؤثر للإعلامي مصطفى سعيد من داخل سوق امدرمان بولاية الخرطوم
الخرطوم| الان نيوز
كتب الاعلامي السوداني المعروف مصطفى سعيد منشور على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك اطلع عليه موقع الان نيوز الالكتروني الاخباري قال فيه
سوق أم درمان أو السوق الكبير، منذ تأسيسه تجاوز كونه سوقاً يؤتى للتسوق فقط، بل كان أحد أبرز معالم المدينة؛ وكأنَّه مقرن آخر تُفاخر به العاصمة المثلثة لتمكنه من جمع كل السحنات السودانية.
المكان المفضَّل لدينا في طفولتنا كان قِطاع الحيوانات شمال السوق حيث شاهدنا في أزقته مختلف أنواع الحيوانات التي حُرمنا من مشاهدتها عندما لم نجد بدولتنا حديقة حيوان في زماننا.
أما سوق الجلود فكنا نأتيه محمَّلين بجلود ذبائح الكرامات ونعرضها للبيع على تجار الجلود بمبالغ تكفينا بجمعها لشراء كَفَر من عمارة البرير، فنرجع “الحلَّة” يملؤنا الفرح لأننا امتلكنا كرة قدم أصلية من حُر مالنا واجتهادنا!.
كانت هنالك أربع مناسبات يزدحم فيها السوق ازدحاماً غير مسبوق، وهي وقفة رمضان، والعيدين، وشهر المولد، بجانب الازدحام بسبب بداية العام الدراسي، حيث نذهب مع أمهاتنا طويلات البال في رحلة بحث شاقَّة عن حقيبة ظهر وحذاء بجانب قماش لتفصيل الأزياء المدرسية، وبعد بحث يُقارب الساعتين نرضى باختيارات أمهاتنا اللواتي كنا نثق في أذواقهن، ولا نفضل ذهاب الآباء معنا لأنهم يملون من طلباتنا وشروط اختيارنا الكثيرة.
كل الأجيال لديها ذكريات مع هذا المكان، فتجد من يحدثك عن نادي الخريجين، ومنهم من كان يستمتع بالجلوس في برندة جورج مشرقي، وجيل آخر ارتبط عنده السوق بمحلات شارع الدكاترة الواصل بين سوقي أم درمان والشهداء، لكن القاسم المشترك بين كل حكاويهم محبة المكان.
اليوم رأينا السوق وقد تحول إلى ركام بفعل المعارك، وكل الشوارع والأزقة التي كانت تضج بحركة الناس وكأنها شوارع مكانٍ مقدس في موسم حج أكبر أصبح يُغلفها صمتٌ رهيب ولا ترى في جنباتها سوى الخراب والمحلات المنهوبة.
شارع كرري يفتقد الاختناقات المرورية عند الظهيرة، وزنك الخضار يتشوق لزوار يوم الخميس الذين تعودوا على إقامة الولائم يوم الجمعة، أما مخازن حي العرب فهي تفتقد الشجارات المتواصلة بين أصحاب الخيول وسائقي التكاتك، وجنوب السوق فإن عقارب ساعة البوستة الأثرية تنتظر أن تحين لحظة نهاية هذا الكابوس الذي حلَّ بالناس والمكان.

