محمد احمد شبشة يكتب.. قضية السودان ضد الإمارات حجر في بركة القانون الدولي الساكنة
الخرطوم| الان نيوز

في 15 أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لتُغرق البلاد في دوامة من العنف غير المسبوق. وخلال الأسابيع التالية، وابتداءً من أبريل وحتى يونيو من العام ذاته، شهدت مدينة الجنينة في ولاية غرب دارفور حصارًا داميًا استمر 58 يومًا، ارتُكبت خلاله انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق، طالت بشكل خاص أبناء قبيلة المساليت.
في 5 مايو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا برفض طلب السودان باتخاذ تدابير مؤقتة ضد الإمارات العربية المتحدة، في الدعوى المقدمة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبتها. واعتبرت المحكمة، بأغلبية 14 صوتًا مقابل صوتين، أنها تفتقر إلى الاختصاص الابتدائي في النظر في الدعوى، بسبب تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من الاتفاقية. كما قررت، بفارق أصوات ضيّق (9 مقابل 7)، شطب القضية من سجلها العام، منهية بذلك الإجراءات بالكامل.
بعيدا عن الجدل السياسي في ردود الافعال على حكم المحكمة ، فانه تحت هذا السقف القانوني البارد، تدور أسئلة مشروعة حول ما إذا كان النظام الدولي الراهن لحماية الحقوق الجماعية قادرًا فعلاً على الاستجابة حين تدق ساعة الكارثة. هذا المقال التحليلي للدكتورة فيرونيكا بوتيتشيلي لا يتوقف عند قرار المحكمة ذاته، بل يضيء على معانيه الأعمق، ويُسلّط الضوء على الآراء القضائية المخالفة، والتي طرحت تصورًا مغايرًا وأكثر إنصافًا، لالتزامات المجتمع الدولي تجاه الجرائم الجماعية والإبادة.
في ما يلي، نقدم الترجمة الكاملة للمقال كما نُشر في موقع Opinio Juris، بتاريخ 4 يونيو 2025.
نهاية تحفظات المعاهدات كما نعرفها؟.. ليس بعد
تأملات في قضية السودان ضد الإمارات العربية المتحدة والوزن المعياري للاختلاف القضائي
بقلم: د. فيرونيكا بوتيتشيلي
باحثة ما بعد الدكتوراه في القانون الدولي بجامعة ميلانو، إيطاليا
في 5 مايو 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا برفض طلب السودان باتخاذ تدابير مؤقتة في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبتها في السودان (السودان ضد الإمارات العربية المتحدة). وبأغلبية 14 صوتًا مقابل صوتين، رأت المحكمة أنها تفتقر إلى الاختصاص الابتدائي (prima facie jurisdiction) بسبب التحفظ الذي أبدته الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948. وبفارق ضئيل (9 أصوات مقابل 7)، قررت المحكمة أيضًا شطب القضية من سجلها العام، منهية بذلك الإجراءات بالكامل.
وقد تم استعراض وقائع القضية على نطاق واسع في مصادر أخرى. باختصار، اتهم السودان قوات الدعم السريع بارتكاب فظائع واسعة النطاق خلال حصار دام 58 يومًا لمدينة الجنينة بين أبريل ويونيو 2023، شملت عمليات قتل خارج نطاق القانون، وتطهيرًا عرقيًا، وتهجيرًا جماعيًا، واغتصابًا، وتدميرًا منهجيًا للقرى. وزعم السودان أن الإمارات قدّمت دعمًا ماديًا لهذه القوات، عبر التمويل والدعم اللوجستي، وتوفير المرتزقة، والأسلحة المتطورة، بل وحتى إرسال عملاء لقيادة وحدات الدعم السريع، مما مكّنها من ارتكاب ما وصفه السودان بـ “أعمال إبادة جماعية”.
كما كان متوقعًا لدى بعض الفقهاء، واجهت القضية عقبات إجرائية كبيرة في المرحلة الأولية أمام المحكمة. كان العائق الرئيسي هو تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية، التي تستبعد اختصاص المحكمة في النزاعات المتعلقة بالاتفاقية. وكان أمام المحكمة خياران: إما رفض التدابير المؤقتة مع الاستمرار في النظر في مسألة الاختصاص، أو – كما فعلت – رفض الدعوى بالكامل استنادًا إلى “غياب واضح للاختصاص”، مفضّلة بذلك مبدأ “الاقتصاد القضائي”. وقد لجأت المحكمة إلى هذا الخيار فقط مرتين من قبل: في قضيتي بوليفيا ضد تشيلي، وجزر مارشال ضد المملكة المتحدة.
زادت تعقيدات القضية بتدخل صربيا بموجب المادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة. ورغم دعمها الرسمي لموقف الإمارات بشأن التحفظات، بدا أن هدف صربيا مزدوج: من جهة، تجنّب التورط القانوني بسبب تقارير عن بيعها أسلحة للإمارات استُخدمت لاحقًا من قِبل الدعم السريع؛ ومن جهة أخرى، ردّ على اعتراف السودان بكوسوفو. إلا أن تدخل صربيا لم يقدّم إسهامًا قانونيًا جديدًا، بل كرّر ما استقر عليه الاجتهاد القضائي من جواز التحفظات طالما لم تُفرغ الاتفاقية من مضمونها.
تثبيت الوضع القائم: تأييد الأغلبية لتحفظات المادة التاسعة
بدأت المحكمة عرضها بوضع النزاع في سياق الصراع المسلح الذي اندلع في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وسجّلت المحكمة المزاعم الجادة التي قدّمها السودان بشأن الفظائع المرتكبة ضد المساليت في غرب دارفور، بما في ذلك القتل خارج القانون، والتطهير العرقي، والتهجير القسري، والعنف الجنسي، والهجمات ذات الدوافع العرقية. ورغم إعرابها عن “القلق العميق” إزاء الوضع الإنساني، شددت على أن مهمتها في هذه المرحلة الأولية تقتصر على فحص توافر أربعة معايير لتقرير التدابير المؤقتة: وجود اختصاص ابتدائي، ومعقولية الحقوق المدّعى بها، وصلتها بالتدابير المطلوبة، وخطر الضرر غير القابل للإصلاح.
استند السودان في طلبه إلى المادة 36(1) من النظام الأساسي للمحكمة والمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية. وبينما انضمت كل من السودان والإمارات إلى الاتفاقية، لاحظت المحكمة أن الإمارات أبدت تحفظًا صريحًا على المادة التاسعة عند انضمامها، مستبعدة اختصاص المحكمة. وأكدت المحكمة أن الطبيعة “الواجبة تجاه الجميع من الأطراف” (erga omnes partes) للالتزامات بموجب الاتفاقية، لا تتجاوز المبدأ الأساسي المتمثل في ضرورة موافقة الدولة على اختصاص المحكمة. وخلصت إلى أن تحفظ الإمارات “واضح الصياغة”، رافضةً حجج السودان بشأن غموضه لعدم الإشارة إلى مسؤولية الدولة.
بناءً عليه، رأت المحكمة أن المادة التاسعة لا يمكن أن تشكّل أساسًا للاختصاص، حتى على سبيل الظاهر. ولمّا لم يقدّم السودان أساسًا بديلًا للاختصاص، امتنعت المحكمة عن إصدار تدابير مؤقتة، وقامت بشطب القضية. لكنها شددت على أن الدول تبقى ملتزمة بالتزاماتها الموضوعية بموجب الاتفاقية، وقد تتحمل المسؤولية الدولية عن انتهاكها.
صندوق باندورا لتحفظات المعاهدات: قراءة آراء القضاة المخالفين
قدّم القضاة المخالفون والجزئيّو المعارضة في القرار نقدًا حادًا للمنهج الشكلي الذي تبنّته الأغلبية بشأن التحفظات. وأثاروا تساؤلات أعمق حول اتساق الاجتهاد القضائي للمحكمة في مسائل الاختصاص وحدود موافقة الدولة. لم تُركّز هذه الآراء فقط على مصير قضية بعينها، بل على قابلية إنفاذ اتفاقية الإبادة الجماعية ذاتها، باعتبارها أداة لحماية القيم الأساسية للمجتمع الدولي.
اعتمد القاضي يوسف في رأيه المخالف على أسس إجرائية، منتقدًا سلطة المحكمة في شطب القضية من السجل العام بعد مجرد إثبات عدم الاختصاص الابتدائي. وبرؤية نصوصية صارمة، أشار إلى أن النظام الأساسي وقواعد المحكمة لا ينصّان صراحة على صلاحية مثل هذا الشطب. لكنه أغفل في رأيه السوابق القضائية التي أرست سلطة المحكمة الجوهرية في إدارة جدول أعمالها، ووقف الإجراءات عندما يغيب أساس معقول للاختصاص، حفاظًا على “الاقتصاد القضائي”.
أما الرأي الجزئي المشترك للقضاة بهانداري، وتشارلزورث، وغوميز روبليدو، وكليفلاند، وتلادي، والقاضي المعيّن سيمّا، فقد مثّل مراجعة قضائية جوهرية لمفهوم التحفظات منذ قرار المحكمة في قضية الكونغو الديمقراطية ضد رواندا. وجوهر هذا الرأي أن المادة التاسعة ليست بندًا إجرائيًا هامشيًا، بل هي الآلية الوحيدة المتاحة لإنفاذ التزامات الاتفاقية بين الدول. إذ لا تحتوي الاتفاقية على جهاز إشراف أو تسوية بديلة، ما يجعل من المادة التاسعة محورية في الحفاظ على الاتساق البنيوي للاتفاقية. ولذلك فإن التحفظ عليها لا يقيّد الوصول الإجرائي فحسب، بل يُقوّض الهدف والغرض من الاتفاقية ذاتها.
تنسجم هذه الرؤية مع الاتجاهات الحديثة في قانون المعاهدات، كما يظهر في دليل لجنة القانون الدولي بشأن التحفظات. فوفقًا للتعليق على التوجيه 3.1.5.7، يُفترض الحذر الشديد إزاء التحفظات على أحكام تسوية المنازعات حين تكون ضرورية لتفعيل المعاهدة. وبخلاف اتفاقية مناهضة التمييز العنصري التي تُنشئ آليات إلزامية للتقاضي وتمنع التحفظات التي تخل ببنيتها، فإن اتفاقية الإبادة تعتمد فقط على المادة التاسعة، ما يجعل التحفظ عليها ضربة موجهة إلى قلب النظام.
يتضح من خلال هذه الآراء أن الغرض من الاتفاقية لا يقتصر على صياغة التزامات موضوعية، بل يشمل أيضًا الآليات الإجرائية الضرورية لإنفاذها. وحين تُفرَغ المادة التاسعة من محتواها بفعل التحفظات، يصبح الالتزام الجماعي بمناهضة الإبادة وعدًا فارغًا.
الآثار غير المقصودة: كيف تؤثر التحفظات على أهلية التدخل من طرف ثالث
يمهد هذا التحول المفاهيمي في التعامل مع التحفظات لتحوّلات أوسع في قانون المعاهدات، خاصة تلك التي تنشئ التزامات جماعية تجاه المجتمع الدولي. ومن أبرز آثاره ما يتصل بأهلية التدخل من قبل أطراف ثالثة بموجب المادة 63 من النظام الأساسي.
فقد أصدرت المحكمة في عام 2023 أمرًا في قضية أوكرانيا ضد روسيا بموجب اتفاقية الإبادة، قضى بمنع الولايات المتحدة من التدخل، لأنها أبدت تحفظًا على المادة التاسعة. هذا المنطق الجديد يربط الحق في التدخل بقبول الدولة للأحكام محل التأويل، وهو اتجاه يعزز الطابع الإقصائي للتحفظات، بما يؤدي إلى استبعاد الدول من التأثير على تفسير المعاهدات الجماعية.
وفي حالة السودان ضد الإمارات، تدخلت صربيا، لكن المحكمة لم تفصل في أهليتها لأن القضية رُفضت لأسباب تتعلق بالاختصاص. ولو استمر النظر، لكان تدخل صربيا محل طعن هي الأخرى بسبب تحفظها على المادة التاسعة، ما كان سيُنتج مفارقة قانونية تُضعف مسؤولية الدولة وفي الوقت ذاته تحرمها من المشاركة التفسيرية.
الخاتمة: ليس النهاية، بل بداية التحول
لم يُحدث القرار في قضية السودان ضد الإمارات تغييرًا جذريًا في الإطار القانوني لتحفظات المعاهدات، لكنه قد يمثّل بداية لتحوّل تفسيري عميق. فقد ثبتت الأغلبية صحة التحفظات، بينما أثار القضاة المخالفون تساؤلات جوهرية حول اتساقها مع روح الاتفاقية.
ومع تراكم القضايا المتعلقة بالإبادة، مثل تلك ضد ميانمار وإسرائيل، ستتزايد الضغوط على المحكمة لمراجعة موقفها. وإن لم يكن التغيير وشيكًا، فإن قبول التحفظات دون مساءلة لم يعد أمرًا مسلمًا به، خصوصًا حين تتعلق المسألة بقيم جماعية أساسية.

