
عادت الخرطوم إلى الحياة تدريجيًا، وعاد معها آلاف المواطنين إلى أحيائهم ومنازلهم بعد أشهر طويلة من النزوح والمعاناة. لكن العودة التي طال انتظارها لم تكن كما حلم بها الكثيرون، إذ اصطدم المواطن بواقع أكثر قسوة مما كان يتوقع.
كثيرون عادوا ليجدوا منازلهم خاوية بعد أن فقدوا ممتلكاتهم، ووجدوا أنفسهم مطالبين بالبدء من الصفر؛ ترميم ما دمرته المليشيا، وإعادة بناء حياة انهارت في لحظات، دون مصادر دخل أو دعم يخفف عنهم أعباء العودة.
وخلال عودتي إلى الخرطوم، من سوق الكلاكلة اللفة إلى أم درمان (الشهداء)، بدا واضحًا أن المدينة استعادت شيئًا من حركتها، وأن الأسواق والمواصلات عادت للعمل. لكن مع عودة الحياة، برزت معاناة جديدة تتمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة والمواصلات.
داخل الحافلات، لا تكاد تخلو رحلة من خلافات بين الركاب وعمال المركبات بسبب التعرفة الباهظة. فتعرفة المواصلات من سوق الكلاكلة اللفة إلى الشهداء بلغت ستة آلاف جنيه، بينما وصلت إلى صابرين ثمانية آلاف جنيه، وهي مبالغ تفوق قدرة المواطن الذي عاد إلى مدينة أنهكتها الحرب وأرهقته ظروف الحياة.
ورغم عودة خدمة “بنكك كاش” وبعض مظاهر النشاط الاقتصادي، فإن ذلك لا يكفي إذا بقيت الأسعار خارج قدرة المواطن، الذي أصبح محاصرًا بين غلاء المعيشة، وانعدام الدخل، ومتطلبات إعادة إعمار منزله وحياته.
إن عودة الخرطوم لا تكتمل بعودة الناس وحدها، وإنما بتوفير مقومات الحياة الكريمة. فالمطلوب اليوم من الجهات المختصة أن تتدخل لضبط تعرفة المواصلات، ومراقبة الأسواق، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، حتى لا تتحول العودة إلى معاناة جديدة.
فالخرطوم تستحق أن تنهض، والمواطن السوداني يستحق أن يجد في عودته الأمل، لا مزيدًا من المشقة. وعلى مسؤولي الدولة أن يضعوا هموم المواطنين في مقدمة أولوياتهم، وأن يعملوا على جعل الخدمات الأساسية في متناول الجميع بعيدًا عن الجشع والاستغلال.
فالخرطوم عادت… ويبقى السؤال: هل عادت الحياة للمواطن أيضًا؟

