محمد أبو زينب يكتب.. “قومية مجلس السيادة” سهم في خاصرة دعاة العنصرية في السودان
الخرطوم | الآن نيوز
في السودان، كل مرة الناس تتونس في السياسة، تلقى سؤالًا بيظهر من تحت الرماد: منو بمثل منو؟ والسؤال ده ما جديد، لكنه بقى حاضر بقوة مع كل مرحلة انتقالية. والحكاية ما بس في الأسماء، لكن في الرسالة البتوصل للشارع.
لما تنظر لتشكيلة مجلس السيادة، تلقى ناس كتار بقولوا إن الفكرة الأساسية كانت تكون المؤسسة معبرة عن السودان بكل تنوعه، ما عن جهة واحدة ولا منطقة واحدة. لأن السودان، زي ما بنعرف، بلد واسع، فيه ثقافات ولهجات وأعراق وخلفيات مختلفة، وأي مؤسسة سيادية بتلقى نفسها أمام تحدي كبير: كيف تجمع الناس بدل ما تزيد المسافات بينهم؟
الناس مرات بتختلف حول أداء المجلس، ومرات بتختلف حول قراراته، وده شيء طبيعي في أي عمل عام. لكن في نقطة بقت محل نقاش حتى بين المختلفين، وهي فكرة القومية. وجود شخصيات بخلفيات متنوعة بيدي انطباع إن الباب ما مقفول قدام فئة معينة، وإن في محاولة تعكس صورة السودان بكل ألوانه.
يا زول، البلد دي ما بتقوم إلا لو الناس اقتنعت إن مؤسساتها بتخص الجميع. لأن الإحساس بالإقصاء هو أول خطوة في طريق الانقسام، بينما الإحساس بالمشاركة بيفتح باب الثقة، حتى لو ظلت الخلافات موجودة.
ومن الملامح اللافتة كذلك إن المجلس جمع بين الطابع العسكري والطابع المدني. البعض يرى في ذلك محاولة للموازنة بين الخبرة الأمنية ومتطلبات الإدارة المدنية، بينما يرى آخرون أن هذا النموذج يظل بحاجة إلى تطوير مستمر حتى يحقق أفضل النتائج. لكن الفكرة في حد ذاتها تعكس محاولة للتوفيق بين واقع معقد وتطلعات مجتمع يبحث عن الاستقرار.
الميزة الثانية التي يتحدث عنها كثيرون هي المرونة. فالمؤسسات الجامدة غالبًا ما تواجه صعوبة في التكيف مع المتغيرات، بينما يسمح تغيير بعض الأعضاء، عندما يتم وفق الأطر القانونية، بإدخال خبرات جديدة والاستجابة للظروف المتغيرة. وفي بلد يمر بتحولات كبيرة، قد تكون القدرة على التكيف عنصرًا مهمًا في استمرار العمل المؤسسي.
اللافت أيضًا أن العمل داخل أي مجلس لا يعتمد على شخص واحد. الفكرة الأساسية هي أن يكمل الأعضاء بعضهم بعضًا؛ هذا يمتلك خبرة عسكرية، وذاك خبرة إدارية، وآخر خبرة قانونية أو سياسية. وعندما تنسجم هذه الخبرات، تصبح المؤسسة أكثر قدرة على التعامل مع الملفات المختلفة.
بالطبع، لا توجد مؤسسة كاملة، ولا يوجد نموذج يخلو من التحديات. لكن النقاش حول قومية المؤسسات يظل نقاشًا مهمًا، لأنه يرتبط بفكرة أكبر من الأشخاص أنفسهم، وهي فكرة بناء دولة يشعر فيها المواطن، أينما كان، بأنه جزء من المشهد وليس متفرجًا عليه.
في النهاية، تبقى القضية الأهم هي أن تستمر مؤسسات الدولة في تعزيز قيم المشاركة والعدالة وسيادة القانون، لأن قوة أي مؤسسة لا تُقاس فقط بتكوينها، بل بقدرتها على خدمة جميع المواطنين دون تمييز. وربما تكون هذه هي الرسالة التي يبحث عنها السودانيون اليوم أكثر من أي وقت مضى: دولة تتسع للجميع، ومؤسسات تعكس تنوع الوطن بدل أن تنقسم على أساسه.

