عمر دمباي يكتب.. “إغلاق القهاوي في القضارف” عندما تدار المخاوف بقرارات لا تصنع أمناً
الخرطوم| الآن نيوز

عندما تطالب السلطات بإغلاق نشاط اجتماعي واسع الانتشار دون إيضاح الأسباب، فهي لا تزرع الأمن بقدر ما تزرع الخوف، ولا تعالج المشكلة بل تنقلها من فضاء النقاش إلى مساحة الاحتقان.
قرار بلدية القضارف بإغلاق القهاوي في ساعات المساء يثير أكثر من سؤال مشروع:
هل بسطت اللجنة الأمنية بالبلدية الأمن في كل القطاعات والأنشطة، ولم ترَ المخاطر إلا في القهاوي وروادها؟
وهل أصبحت القهاوي فجأة مصدر تهديد، بينما تعمل عشرات الأنشطة الأخرى أمام أعين السلطات والأجهزة النظامية دون اعتراض؟، والغريب في الأمر أن القرار لم يشمل بائعات الشاي والقهوة مع أن النشاط واحد ؟
اللافت أن مضابط الشرطة وبشهادة الواقع لم تسجل بلاغات أو أنشطة معادية أو مخالفة مرتبطة بالقهاوي، وذلك بفضل وعي ملاكها وروادها، وحرصهم على استقرار المدينة واحترام القانون، هؤلاء ليسوا غرباء عن القضارف، بل هم أهلها، يحملون همها ويحرصون على أمنها أكثر من أي جهة عابرة للقرار.
القهاوي في القضارف ليست مجرد أماكن للجلوس، بل تمثل ثقافة متجذرة، وتراثا اجتماعيا، وهوية من هويات الشرق، ومساحات للتلاقي وتبادل الرأي، وملامح من الحياة اليومية للمدينة، تجاهل هذا البعد الاجتماعي يعكس فجوة واضحة بين متخذ القرار والواقع الذي يعيشه الناس.
ثم إن النشاط الذي يمارس علنا وأمام أعين السلطات والأجهزة الأمنية، يطرح سؤالًا منطقيا:
أين يكمن الخوف؟ وأين تكمن المخاطر الحقيقية؟
الأكثر إرباكا أن سلطات البلدية لم تُعلن أسبابا واضحة للقرار، وكأنها مترددة أو “خجولة” من الإفصاح عن حيثياته، فالقرار العام، حين لا يفسر، يتحول من إجراء إداري إلى عبء سياسي واجتماعي، لكن عندما وجدت مناهضة لقرارها بدأت تبرر بأن الخطوة لدواعي أمنية.
وحتى لو افترضنا جدلًا أن البلدية لم تجد خيارا سوى تقليص ساعات عمل القهاوي، ألم يكن من الواجب التفكير في إجراءات موازية تخفف الأضرار؟
كأن تقلل الرسوم والجبايات المفروضة من ذات السلطة على القهاوي، طالما أنها هي من قلصت زمن النشاط وضيقت على مصادر دخل أصحابه.
إن إدارة المدن لا تقوم على القرارات المفاجئة، ولا على استهداف الأنشطة الأسهل، بل على الفهم العميق للواقع، والحوار مع المجتمع، والموازنة بين الأمن وحقوق الناس في كسب عيشهم وممارسة ثقافتهم.
ما تحتاجه القضارف اليوم ليس إغلاق القهاوي، بل فتح باب العقل، والاستماع للناس، وصناعة قرارات تحمي الأمن دون أن تكسر الروح الاجتماعية للمدينة.

