خطوة مفاجئة من الجيش السوداني تجاه المنشقييين من الدعم السريع تربك حسابات التمرد
الخرطوم | الآن نيوز

أعلنت القوات المسلحة السودانية اكتمال المرحلة الأولى من إجراءات توفيق أوضاع عدد من العناصر الذين انضموا إلى صفوفها قادمين من قوات الدعم السريع، في خطوة تأتي في إطار الاستجابة لدعوة القائد العام للقوات المسلحة للمنضمين من صفوف الدعم السريع، وتزامناً مع استمرار إعادة ترتيب المنظومة العسكرية والأمنية في البلاد.
وقالت القوات المسلحة، في بيان نشره الإعلام العسكري الأربعاء 19 أغسطس 2026، إن إجراءات توفيق الأوضاع جرت بحضور اللواء الركن الدكتور الوليد عبدالقادر عجبنا، مدير فرع الإدارة، وعدد من قادة التشكيلات والوحدات، وشملت أداء القسم واستكمال الإجراءات الإدارية والقانونية تمهيداً لتوزيع المنضمين على التشكيلات والوحدات المختلفة.
وأكد البيان أن الإجراءات الأمنية والإدارية الخاصة بالمنضمين خضعت للمراجعة والتدقيق، مشيراً إلى أن العملية تستهدف إدماج العناصر المستوفية للشروط داخل المنظومة العسكرية وفق القوانين واللوائح والنظم المعمول بها في القوات المسلحة.
ورحب اللواء الركن الوليد عبدالقادر عجبنا بالمنضمين، معتبراً انضمامهم إلى القوات المسلحة تعبيراً عن اختيارهم الانحياز للدولة والمؤسسة العسكرية. كما قدم العميد الركن إسحق سعد عثمان، رئيس لجنة توفيق أوضاع المنضمين، شرحاً حول آلية عمل اللجنة وإجراءات استيعاب العناصر التي قررت مغادرة صفوف الدعم السريع.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع لإعادة تنظيم القوات المسلحة والقوات المساندة لها. وكانت تصريحات رسمية سابقة قد تحدثت عن اتجاه لدمج القوات التي قاتلت إلى جانب الجيش في المؤسسات النظامية وفق شروط ومعايير محددة، وهو ما يشير إلى أن ملف إعادة ترتيب المكونات المسلحة أصبح جزءاً أساسياً من مرحلة ما بعد الحرب.
ماذا يعني أداء القسم؟
أداء القسم في هذه الحالة لا يمثل مجرد إجراء رمزي، بل يعني الانتقال من وضعية المنضم أو المستسلم إلى وضع قانوني وعسكري جديد، بعد استكمال الفحوص والإجراءات الأمنية والإدارية المطلوبة. وبمجرد اكتمال عملية التوفيق والتنسيب، يصبح الفرد خاضعاً بصورة مباشرة للأنظمة العسكرية وسلسلة القيادة والانضباط العسكري.
وهذا يختلف عن مجرد إعلان الانشقاق أو تسليم السلاح؛ إذ إن توفيق الوضع يعني أن المؤسسة العسكرية قررت، بعد الفحص، إدخال الشخص ضمن منظومتها وفق شروطها، مع تحديد وضعه ورتبته أو موقعه ومهمته بحسب الإجراءات المعتمدة.
ما أثر الخطوة على قوات الدعم السريع؟
إذا اتسعت العملية لتشمل أعداداً أكبر من الضباط والجنود، فإن تأثيرها على قوات الدعم السريع يمكن أن يكون كبيراً، خصوصاً إذا شملت عناصر ذات خبرة ميدانية أو معرفة بالبنية التنظيمية والانتشار والقيادة.
وتكمن أهمية الخطوة في ثلاثة مستويات:
1. استنزاف بشري وتنظيمي: خروج أفراد من الدعم السريع يعني فقدان مقاتلين وخبرات ميدانية، وليس فقط انخفاض العدد الإجمالي للقوة.
2. تأثير معنوي: عندما يرى أفراد داخل القوة أن هناك مساراً منظماً للانتقال إلى القوات المسلحة، فقد يتولد لديهم خيار بديل عن الاستمرار في القتال، خصوصاً مع طول أمد الحرب وتغير موازين القوى.
3. تأثير استخباري وأمني: انضمام عناصر كانت تعمل داخل الدعم السريع يمكن أن يوفر للقوات المسلحة معلومات عن البنية التنظيمية وطرق الإمداد والانتشار وأنماط القيادة، مع ضرورة عدم افتراض أن كل المعلومات التي يقدمها المنشقون تكون دقيقة أو قابلة للاعتماد دون تحقق مستقل.
ويكتسب هذا الملف أهمية أكبر بالنظر إلى أن قضية العلاقة بين الجيش والدعم السريع ومسألة الدمج كانت أصلاً من أكثر الملفات العسكرية تعقيداً في السودان قبل اندلاع حرب أبريل 2023.
هل نتوقع انشقاقات لقادة كبار في الدعم السريع؟
احتمال حدوث انشقاقات جديدة موجود، لكن لا توجد في المعلومات المتاحة حالياً أدلة كافية للجزم بأن انشقاق قيادات كبيرة وشيك.
والتمييز هنا مهم: انشقاق أفراد أو مجموعات صغيرة أسهل بكثير من انشقاق قائد كبير؛ لأن القائد يمتلك حسابات تتعلق بمصيره الشخصي، وعلاقاته داخل القوة، ومصالح مجموعته، والضمانات التي يمكن أن يحصل عليها بعد الانشقاق.
لكن إذا استمرت عملية توفيق الأوضاع بصورة منظمة، وأثبتت القوات المسلحة قدرتها على استيعاب المنضمين وتوفير وضع قانوني واضح لهم، فقد تصبح العملية حافزاً إضافياً لبعض القيادات الوسطى والمحلية لإعادة حساباتها.
أما انشقاق قيادات عليا، فيمكن أن يصبح أكثر احتمالاً إذا اجتمعت عدة عوامل، أبرزها:
– تراجع القدرة العسكرية أو اللوجستية للدعم السريع.
– اتساع الخلافات داخل القيادة.
– فقدان قنوات التمويل والإمداد.
– شعور بعض القادة بأن استمرار الحرب يهدد مستقبلهم الشخصي.
– وجود ضمانات واضحة لمن يقرر الانضمام أو الخروج من القتال.
– نجاح القوات المسلحة في تحويل الانشقاقات الفردية إلى مسار منظم لاستيعاب المنضمين.
الخلاصة
الحدث الأهم في إعلان 19 أغسطس ليس مجرد أداء القسم، وإنما أن القوات المسلحة بدأت تتعامل مع المنضمين من الدعم السريع باعتبارهم ملفاً مؤسسياً يخضع لإجراءات أمنية وإدارية وقانونية، وليس مجرد عمليات استسلام فردية.
وإذا تحولت هذه الإجراءات إلى برنامج مستمر وواسع لتوفيق أوضاع المنضمين، فقد يكون لها أثر تراكمي على تماسك قوات الدعم السريع، خصوصاً إذا انتقلت من مستوى الجنود والأفراد إلى مستوى الضباط والقيادات الميدانية.
لكن الحديث عن انشقاق قيادات كبيرة ينبغي أن يبقى في إطار السيناريو المحتمل وليس المعلومة المؤكدة؛ فالانشقاق الكبير يحتاج عادةً إلى مؤشرات مستقلة مثل إعلان رسمي، ظهور القائد مع الجهة الجديدة، أو تأكيد من مصادر متعددة. كما أن مجرد وجود أفراد منشقين لا يعني بالضرورة قرب تفكك القيادة المركزية للدعم السريع.

