السفير السعودي ينتهك الأعراف أمام السيادة ويُربك البروتوكول في منصة الشرف
الخرطوم | الآن نيوز

الدبلوماسية على المحك: حين تُنتهك الأعراف أمام السيادة ويُربك البروتوكول منصة الشرف
كتب: محمد عثمان الرضي
تُعد مؤسسة البصر العالمية واحدة من أبرز المؤسسات الرائدة في مجال طب العيون، وقد أسهمت، وبقدرٍ كبير، في تخفيف معاناة المرضى في شتى بقاع العالم، واضعةً العمل الإنساني فوق كل اعتبار، ومنتصرةً لقيم الرحمة والعطاء بلا ضجيج.
وفي السودان، تمددت المؤسسة أفقياً ورأسياً، لتصل بخدماتها العلاجية المجانية إلى عددٍ واسع من المدن، مقدّمةً عمليات جراحية وخدمات تشخيصية متقدمة، في وقتٍ تعاني فيه البلاد من تحديات جسيمة في القطاع الصحي، تفاقمت حدّتها بفعل الحرب والظروف الاستثنائية.
وتُعرف مؤسسة البصر العالمية بأنها تعمل في صمتٍ، بعيداً عن الأضواء، مبتغيةً الأجر والثواب من الله، ومُرسِّخةً نموذجاً يُحتذى في العمل الخيري المؤسسي المنضبط، حيث تُقدَّم الخدمة للإنسان بوصفه إنساناً، دون التفاتٍ إلى الجغرافيا أو الانتماء.
ولم تكن ظروف الحرب في السودان عائقاً أمام العاملين في مؤسسة البصر الخيرية، بل تحولت إلى دافعٍ إضافي، عزّز من عزيمتهم ورفع من وتيرة أدائهم، إدراكاً منهم لحجم الحاجة، ومسؤوليتهم الأخلاقية والمهنية في مثل هذه المنعطفات القاسية.
وفي هذا السياق، شهدت مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لجمهورية السودان، افتتاح مستشفى مكة للعيون، في حدثٍ إنساني وصحي بالغ الأهمية، تم برعاية وحضور نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق مالك عقار إير، في خطوةٍ تعكس اهتمام الدولة بالشراكات الخيرية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.
وخلال حفل الافتتاح، قدّم المدير الإقليمي لمؤسسة البصر الخيرية بالسودان، الأستاذ دالعاص أحمد كامل، مرافعة وافية ومتماسكة، استعرض فيها إنجازات المؤسسة في مجال طب العيون، بأسلوبٍ علمي رصين، جعل من كلمته أقرب إلى محاضرة تخصصية ثرّة، نالت استحسان الحضور وتقديرهم.
غير أنّ لحظة التكريم الرسمية لنائب رئيس مجلس السيادة، وهي لحظة ذات رمزية سيادية وبروتوكولية عالية، شابها تصرّف لافت، تمثّل في قيام السفير السعودي لدى السودان بالرد على مكالمة هاتفية من هاتفه الخاص، وهو على المنصة الرئيسية وأمام عدسات البث التلفزيوني المباشر.
فهذه المنصات الرسمية، وفق الأعراف الدبلوماسية الراسخة، تُعد فضاءات سيادية مغلقة، تُدار بحساسية عالية، ويُفترض بمن يعتليها الالتزام الصارم بقواعد السلوك البروتوكولي، حيث يُعد أي انشغال جانبي، ولو لثوانٍ، إخلالاً بقدسية اللحظة، وتقليلاً من احترام المقام المكرَّم والحدث ذاته.
وتقضي التقاليد الدبلوماسية في الاحتفالات الرسمية، خاصة تلك التي يحضرها قادة أو نواب رؤساء دول، بأن تُغلق الهواتف المحمولة أو توضع في الوضع الصامت، وأن يُمنح التركيز الكامل للمراسم، بوصفها تعبيراً رمزياً عن الاحترام المتبادل بين الدولة المضيفة والبعثات الدبلوماسية المشاركة.
كما أن البروتوكول لا ينظر إلى مثل هذه التصرفات بوصفها شأناً شخصياً، بل يراها انعكاساً مباشراً لصورة الدولة التي يمثلها الدبلوماسي، حيث يتحول السلوك الفردي في لحظة رسمية إلى رسالة سياسية غير مكتوبة، قد تُقرأ خطأً أو تُفسَّر على نحوٍ لا يخدم العلاقات الثنائية ولا مكانة المناسبة.
وفي مثل هذه الفعاليات، يكون السفير مطالباً بأن يكون المثال الأعلى في الانضباط والاتزان، خاصة حين تكون الجهة المنظمة مؤسسة خيرية وطنية تابعة لبلاده، إذ يتضاعف واجب الحرص على الصورة العامة، وعلى احترام سيادة الدولة المستضيفة ورموزها الدستورية.
إن تجاوز الأعراف الدبلوماسية، ولو دون قصد، يُربك المشهد العام ويصرف الانتباه عن جوهر الحدث الإنساني، وينقل التركيز من رسالة العطاء والخدمة إلى تفاصيل جانبية كان بالإمكان تفاديها بالالتزام الحرفي بالبروتوكول المتعارف عليه.
ويبقى العمل الإنساني أكبر من أي هفوة، غير أن هيبة الدولة واحترام المقامات السيادية خطوط حمراء لا تحتمل الاجتهاد، فالدبلوماسية، في جوهرها، ليست مجاملات شكلية، بل لغة صامتة تُقاس بدقة التفاصيل، ويُحاسَب أصحابها على أصغر الإشارات قبل أكبر المواقف.

