
في مشهد يحمل الكثير من الدلالات الإنسانية والاجتماعية، تناول الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وجبة «البوش» الشعبية المعروفة في السودان، وسط عدد من المواطنين في العاصمة الخرطوم.
لم تكن الحكاية مجرد وجبة عابرة؛ فـ«البوش» في الذاكرة السودانية أكثر من طعام. إنها مائدة بسيطة تجمع الناس، وتختصر روح المشاركة والألفة، حيث لا مكان للفوارق حين تلتقي الأيادي حول إناء واحد.
وبينما اعتاد السودانيون أن يروا «البوش» في الأسواق والأحياء وأماكن التجمعات والعمل جاء المشهد هذه المرة بصورة مختلفة؛ رئيس البلاد يجلس مع مواطنين، يتقاسم معهم الوجبة الشعبية ذاتها، في لحظة تقترب فيها المسافة بين المسؤول والمواطن إلى أقصى حد.
المشهد سرعان ما يلفت الانتباه، ليس بسبب ما وُضع على المائدة، وإنما بسبب ما ترمز إليه المائدة نفسها: السودان حين يعود إلى بساطته، وحين تصبح اللقمة المشتركة لغة يفهمها الجميع.
وقد ارتبط «البوش» في السودان بثقافة الطعام الجماعي، وبروح «اللمة» التي تميز المجتمع السوداني؛ وجبة متواضعة في مكوناتها، لكنها غنية بما تحمله من معانٍ عن الكرم والتكافل والمشاركة.
وربما لهذا السبب تحديداً، تبدو صورة البرهان وهو يتناول «البوش» مع المواطنين قابلة لأن تُقرأ بأكثر من زاوية: مشهد إنساني عفوي من جهة، ورسالة رمزية من جهة أخرى، عنوانها أن مائدة السودانيين مهما كانت بسيطة، تظل مساحة للقاء وتقاسم الهموم والآمال.
في بلد أنهكته الحرب وأثقلت كاهل مواطنيه تفاصيل الحياة اليومية، تصبح مثل هذه اللحظات الصغيرة ذات وقع أكبر. فالسوداني لا يبحث دائماً عن المظاهر الكبيرة؛ أحياناً تكفي صحن بوش، جلسة بسيطة، ولقمة يتقاسمها الناس لتقول الكثير.
وهنا تكمن جاذبية المشهد:
رئيس الجمهورية يأكل من ذات المائدة التي يعرفها المواطن السوداني، والبوش الذي اعتاد أن يكون وجبة الناس البسطاء يتحول إلى صورة تختصر حكاية شعب كامل.
إنها ليست قصة وجبة فحسب…
إنها قصة مائدة سودانية جمعت الرئيس بالمواطن، وجعلت من «البوش» بطلاً لمشهد يحمل نكهة الخرطوم وروح السودان.

