أنعام النور تكتب.. حين يخاف الصحفي من الحقيقة تموت المهنة ويبدأ زمن الدعاية الدموية
الخرطوم | الآن نيوز

ما يحدث الآن أخطر بكثير من مجرد خلافات بين صحفيين ، ما يحدث هو إعادة تشكيل المهنة نفسها تحت ضغط الحرب، والخوف، والاستقطاب، والدعاية، والدم.
الصحفيون والصحفيات من دارفور سواء كانوا داخل ولايات دارفور، أو نازحين في مدن السودان، أو لاجئين في دول الجوار لا يعيشون فقط حرباً عسكرية، بل يعيشون حرباً أخرى: حرب المواقف.
في هذه الحرب، لم يعد السؤال هل الخبر صحيح؟ بل أصبح السؤال مع من تقف؟
إذا تحدثت عن انتهاكات الجيش، سيتم تصنيفك فوراً أنك مؤيد للدعم السريع.
وإذا تحدثت عن انتهاكات الدعم السريع، سيتم تصنيفك فوراً أنك مؤيد للجيش.
وإذا حاولت أن تدين الطرفين، سيقول لك الجميع: أنت رمادي، والرمادي خيانة.
وهكذا يتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى متهم يجب أن يثبت براءته كل يوم.
هذه ليست بيئة عمل صحفي، هذه بيئة محكمة.
أقرب مثال على ذلك ما حدث في مدينة الضعين عاصمة شرق دارفور.
بغض النظر عن الروايات العسكرية، وبغض النظر عن من يسيطر على المدينة، وبغض النظر عن الحسابات الحربية، هناك حقيقة واحدة لا تتغير قصف مرفق صحي وقتل مدنيين من بينهم أطفال ليس حدثاً عادياً، وليس خبراً عابراً، وليس موقفاً سياسياً بل هو جريمة يجب أن تُدان، أياً كان الفاعل.
لكن حتى هذه الجملة البسيطة أصبحت اليوم موقفاً سياسياً خطيراً.
بعض الصحفيين أدانوا قصف المرفق الصحي لأن فيه مدنيين قُتلوا، فتم تصنيفهم فوراً أنهم مع الدعم السريع.
وبعض الصحفيين برروا القصف لأن مدينة الضعين في رأيهم حاضنة للدعم السريع، وقال بعضهم كلاماً أخطر من القصف نفسه، كلاماً يتحدث عن مدن يجب أن تُباد، وعن مجتمعات كاملة يجب أن تُعاقَب، وكأننا لم نتعلم شيئاً مما حدث في الجنينة والفاشر ونيالا وزالنجي.
وهنا نحن لا نتحدث فقط عن خطاب كراهية، نحن نتحدث عن انهيار أخلاقي كامل لفكرة الصحافة نفسها.
الصحافة ليست أن تدافع عن مدينة لأن أهلها يشبهونك، وليست أن تصمت عن جريمة لأن الذي ارتكبها يشبهك، وليست أن تبرر القتل لأن الضحايا في الجهة الخطأ من الخريطة.
الصحافة، في أبسط تعريف لها، أن تقف مع المدنيين، مع الضحايا، مع الحقيقة، حتى لو أغضبت الجميع.
المشكلة أن الصحفيين في دارفور اليوم ليسوا مراقبين بعيدين عن الحرب، هم أنفسهم ضحاياها
بعضهم فقد منزله
بعضهم فقد أفراداً من أسرته
بعضهم نزح أكثر من مرة
بعضهم يعيش لاجئاً بلا أوراق، بلا استقرار، بلا دخل ثابت
بعضهم تعرض للتهديد أو الاعتقال أو المطاردة
وفي وسط كل هذا، يُطلب منهم أن يكونوا موضوعيين، هادئين، مهنيين، ومتوازنين، بينما حياتهم نفسها غير متوازنة.
لهذا السبب، ما نراه اليوم من انقسامات حادة وسط الزملاء من دارفور مفهوم من ناحية إنسانية، لكنه خطير جداً من ناحية مهنية وأخلاقية.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث في الحروب ليس فقط أن يحمل الناس السلاح، بل أن يبدأ الناس في تبرير قتل المدنيين، وأن يبدأ المثقفون والصحفيون تحديداً في تصنيف الضحايا:
هؤلاء يستحقون، وهؤلاء لا يستحقون.
هذه ليست صحافة
هذا تمهيد لجرائم أكبر
هناك شيء آخر خطير يحدث بهدوء:
الصحفيون أنفسهم أصبحوا يخافون من بعضهم البعض.
يخاف الصحفي أن يكتب إدانة لقصف، فيخسره زملاؤه.
ويخاف أن يكتب عن مجزرة، فيُتهم بالانحياز.
ويخاف أن يصمت، فيُتهم بالجبن.
وهكذا، أصبح الصحفي محاصراً:
إذا كتب خسر، وإذا سكت خسر، وإذا حاول التوازن خسر أيضاً.
نحن الآن أمام أزمة أخلاقية حقيقية داخل الوسط الصحفي، وليست مجرد خلافات آراء.
السؤال لم يعد من مع من؟
السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو:
هل ما زلنا نؤمن أن حياة المدنيين أهم من انتصار أي طرف؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإدانة قتل المدنيين يجب أن تكون ثابتة، لا تتغير حسب المدينة أو القبيلة أو الجهة المسيطرة.
وإذا كانت الإجابة لا، فنحن لم نعد صحفيين، نحن أصبحنا جزءاً من ماكينة الحرب، حتى لو كنا نحمل هواتف و أقلام بدلاً من البنادق.
أخطر ما يمكن أن تخسره دارفور الآن ليس المدن، ولا البيوت، ولا حتى المؤسسات
أخطر ما يمكن أن تخسره هو الناس الذين ما زالوا يؤمنون أن الحقيقة أهم من الانتماء، وأن حياة المدني أهم من أي معركة، وأن الصحافة يجب أن تبقى مساحة للضمير، لا ساحة أخرى للحرب.

