كتاب رائ وعالمية

أبو زينب يكتب.. “سعاد الخضر ومزدلفة دكام” الثنائي المرعب الذي أكد أن الصحافة حياة

الخرطوم| الآن نيوز

في زمنٍ تراجعت فيه القيم المهنية، وارتفعت فيه الأصوات الطارئة على الصحافة، يبرز اسما سعاد الخضر ومزدلفة دكام كثنائي استثنائي أعاد للصحافة هيبتها، وللمهنة معناها، وللكلمة شرفها. ليستا مجرد صحفيتين، بل تجربتان متكاملتان تمثلان مدرسة قائمة بذاتها، عنوانها: الالتزام، والمصداقية، والعمل الشاق حتى آخر سطر.

عملت سعاد ومزدلفة في عدد من الصحف السودانية، وتنقلتا بين كل الأقسام الصحفية بلا استثناء؛ من الأخبار إلى السياسة، ومن الاقتصاد إلى الخدمات، ومن المنوعات إلى الرياضة. لم تعرفا الراحة المهنية، ولم تختبئا خلف قسم واحد، بل اختارتا خوض كل التجارب، لأن الصحافة بالنسبة لهما معرفة شاملة لا تُجزأ، ومسؤولية لا تُؤدى بنصف جهد.

ترعرعتا وسط جحافل الصحفيين الكبار ورؤساء التحرير، وتعلّمتا في ميادين العمل لا في القاعات المغلقة. كان الاحتكاك اليومي، والنقاش، والخلاف المهني، والتنافس الشريف، جزءًا من تكوينهما الصحفي. ومن رحم هذه التجربة الشاقة، تدرجتا بثبات حتى وصلت إحداهن إلى رئاسة قسم الأخبار، ذلك الموقع الذي ظل لسنوات طويلة حكرًا على الرجال، لا لقلة كفاءة النساء، بل لقلة الفرص. وعندما وصلت، لم تصل كمجاملة، بل كاستحقاق كامل الأهلية، وبرعت فيه بجدارة يشهد بها الجميع.

لم تكن التغطيات الصحفية بالنسبة لهما مهمة تنتهي بنهاية الدوام الرسمي، بل التزامًا يمتد حتى ساعات الصباح الأولى. كانتا في الميدان حين يغادر الآخرون، تلاحقان الخبر، وتدققان المعلومة، ولا تنشران سطرًا واحدًا قبل التأكد من صحته. نادرًا – إن لم يكن مستحيلًا – أن تخطئ إحداهن في خبر أو معلومة، لأن المصداقية عندهما خط أحمر لا يُساوَم عليه.

أجرتا حوارات صحفية وتقارير استقصائية أصبحت حديث الرأي العام، وما زالت تُستشهد بها حتى اليوم، ليس لقوة صياغتها فقط، بل لعمقها، وجرأتها، وصدقها. كانتا تعرفان كيف تطرحان السؤال الصعب دون إسفاف، وكيف تقتربان من الحقيقة دون ضجيج.

تعشقان الصحافة الورقية عشقًا يشبه القتال من أجل البقاء. تدافعان عنها كما تدافع اللبوة عن عرينها، وترفضان كل من يتطفل على المهنة دون وعي أو أخلاق. فالصحافة عندهما ليست منصة شهرة، بل رسالة ومسؤولية.

عرف عنهما في الوسط الصحفي حسن السيرة، ونظافة اليد، وسمو الأخلاق، والمواقف الاجتماعية النبيلة. لم يُسمع يومًا أنهما انتمتا لحزب سياسي أو كيان آخر؛ انتماؤهما الوحيد كان ولا يزال للصحافة فقط. وحتى في تجربتهما في إعداد البرامج بالقنوات الفضائية، أثبتتا قدرة عالية على التميز والاحتراف، وأضافتا إلى الشاشة ذات القيم التي حملتاها في الصحافة المكتوبة.

مسيرة سعاد الخضر ومزدلفة دكام ليست مجرد تاريخ مهني، بل رسالة ملهمة للجيل القادم من الصحفيات: أن الطريق الصعب هو الطريق الصحيح، وأن الكفاءة تفرض نفسها مهما طال الزمن. ورغم أنه لم يكن لهما نصيب في اتحاد الصحفيين في السابق، إلا أن القادم – بلا شك – سيكون مختلفًا، فشخصيات نقابية مثلهما، تقف مع الحق ولا تخشى لومة لائم، مكانها الطبيعي في مواقع القيادة.

هكذا تُكتب الصحافة… وهكذا تُصنع القدوة.

زر الذهاب إلى الأعلى