
أنا مع التنظيم غير المخل لأي عمل في الدنيا، ولذلك لا أرى غضاضة في تنظيم عمل المواقع الإلكترونية في السودان.
وبخصوص الاستمارة التي طرحها مجلس الصحافة والمطبوعات بإشراف وزارة الإعلام للمواقع الإلكترونية العاملة في السودان، فقبل الحديث عنها لا بد من توضيح الآتي:
أولاً: المواقع الإلكترونية السودانية تعاني من ضعف الانتشار والتأثير داخل السودان، كما أن حجم مشاهداتها محدود مقارنة بمنصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك الذي أصبح المصدر الأساسي لتلقي الأخبار والمعلومات لدى غالبية المستخدمين.
ثانياً: تعاني معظم المواقع الإلكترونية من مشكلات تقنية تتعلق بالظهور في نتائج البحث، فضلاً عن ضعف حضورها في مقترحات محركات البحث مثل جوجل، الأمر الذي يحد من وصولها إلى الجمهور.
ثالثاً: لا تحقق غالبية هذه المواقع أرباحاً تُذكر، بل إن كثيراً منها يعمل بخسائر مستمرة، ويجد أصحابها صعوبة في سداد رسوم الاستضافة والتجديد السنوي، ناهيك عن تكاليف التشغيل الأخرى.
رابعاً: الضجة المثارة حول هذه المواقع في الأيام الأخيرة تبدو مبالغاً فيها إلى حد كبير، فهذه مواقع محدودة الانتشار والتأثير، ولا تمثل قوة إعلامية ضاغطة بالشكل الذي يصوره البعض. فكيف يُخشى من مواقع لا تزال تكافح من أجل البقاء والوصول إلى جمهورها؟
والحقيقة أن معظم المحتوى الذي يثير ردود أفعال واسعة أو يصنع الرأي العام يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، وليس عبر المواقع الإلكترونية التقليدية.
لذلك أقترح أن تقتصر الاستمارة على المعلومات الأساسية فقط، مثل اسم الموقع وعنوانه واسم المالك وبيانات التواصل الخاصة به، لأن كثيراً من المعلومات الفنية والإدارية الأخرى المطلوبة قد لا تتوفر حتى لدى بعض ملاك المواقع أنفسهم.
كما أرى ضرورة تبسيط الإجراءات وعدم تحميل المواقع أعباءً إضافية. فالعقوبة القصوى التي يمكن أن تُفرض على أي موقع مخالف هي حجبه أو إيقافه، وفي ظل سهولة إنشاء موقع جديد برسوم محدودة، فإن التعقيد الإداري لن يحقق الأهداف المرجوة، بل قد يخلق دورة متكررة من الإيقاف والعودة دون معالجة جوهر المشكلة.
والأجدى بوزارة الإعلام ومجلس الصحافة أن يتجها إلى تطوير قطاع الإعلام الإلكتروني ومعالجة التحديات التي تواجهه، وفي مقدمتها تحسين فرص ظهور المواقع في محركات البحث، وتوفير بيئة إعلانية تساعدها على الاستمرار، بدلاً من التعامل معها باعتبارها عبئاً أو خصماً.
ولا يمكن إنكار أن المواقع الإلكترونية السودانية أدت دوراً وطنياً مهماً خلال فترة الحرب، وربما قدمت ما لم تستطع تقديمه بعض الوسائل الإعلامية الأخرى. فقد تحملت مسؤولية نقل المعلومات في ظروف بالغة التعقيد، وأسهمت في إيصال صوت الدولة ومؤسساتها إلى الجمهور، ودعمت المنابر الصحفية التي كانت تنظمها وكالة سونا ووزارة الإعلام.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس التضييق على الإعلام الإلكتروني، وإنما تنظيمه وتطويره وتمكينه ليواصل دوره في بناء المشهد الإعلامي السوداني مثلما كان فاعلا منذ بداية الحرب وحتى الآن..

