تحول منتصر عبد الله، الذي كان يشغل منصب محامي دفاع، إلى متهم في قضايا جنائية خطيرة، حيث كان يمثل هيئة الدفاع عن رئيس وزراء السودان السابق عبد الله حمدوك وعدد من القادة السياسيين في تحالف “تنسيقية تقدم”. يواجه عبد الله اتهامات قد تؤدي به إلى السجن المؤبد، مما يثير تساؤلات حول مصير القضايا السياسية في البلاد. تم تعليق جلسة محاكمته التي كانت مقررة يوم الاثنين الماضي في مدينة بورتسودان، دون أي توضيح رسمي من المحكمة، مما يزيد من الغموض حول سير العدالة في هذه القضية.
تزامنت جلسة محاكمة منتصر مع الجلسة الثانية لسماع الشهود في قضية قائد “قوات الدعم السريع” محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي” وشقيقه عبد الرحيم، حيث يواجهان مع 14 من قادة قواتهما اتهامات تتعلق بمقتل حاكم ولاية غرب دارفور خميس أبكر. هذا التزامن يعكس التوترات السياسية والأمنية في السودان، حيث تتداخل القضايا القانونية مع الأزمات السياسية المستمرة، مما يجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
في سياق متصل، قدمت النيابة العامة السودانية في أبريل 2024 بلاغات ضد عبد الله حمدوك و15 شخصًا آخرين، بينهم قيادات حزبية وإعلامية، بتهم تتعلق بـ”تقويض الدستور وإشعال الحرب ضد الدولة”. هذه التهم تعتبر خطيرة وقد تستوجب عقوبة الإعدام، مما يسلط الضوء على الأوضاع السياسية المتوترة في البلاد. من بين الأسماء المتهمة، يبرز ياسر عرمان رئيس “الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري”، وعمر الدقير رئيس “حزب المؤتمر السوداني”، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات السياسية البارزة مثل مريم الصادق المهدي ومحمد الفكي سليمان، مما يعكس حجم الأزمة السياسية التي تعيشها السودان.
أقدمت الأجهزة الأمنية في مدينة بورتسودان في سبتمبر الماضي على اعتقال المحامي منتصر عبد الله، وذلك بعد ساعات من تقديمه طلبًا للنيابة العامة للدفاع عن المتهمين من قادة “تنسيقية تقدم” في القضية رقم 1613 المسجلة ضد حمدوك وبعض القادة السياسيين والناشطين. ويواجه عبد الله قضايا بموجب المادتين 51 و52 المتعلقتين بالجرائم ضد الدولة، بالإضافة إلى المادة 53 الخاصة بالتجسس، وهي تهم قد تؤدي إلى السجن المؤبد.
أفادت هيئة “محامو الطوارئ” (منظمة حقوقية تتابع الانتهاكات في حرب السودان) بأن المحامي قد قدم طلبًا قانونيًا إلى النيابة العامة، ولكن بدلاً من الاستجابة له وقبوله، تم القبض عليه بدون أسباب قانونية ولم يتم الإفراج عنه حتى الآن. ولم تتمكن صحيفة “الشرق الأوسط” من الحصول على تعليق من السلطات الحقوقية في السودان بخصوص هذه الادعاءات.
وأضافت الهيئة في بيان لها يوم الثلاثاء، أن “المحامي تعرض لانتهاكات جسيمة، شملت التعذيب الجسدي والنفسي، مما يعد انتهاكًا صارخًا لحقوقه القانونية وحقوق المحامين بشكل عام”. وطالبت بالإفراج الفوري عنه، واعتبرت الإجراءات المتخذة ضده باطلة لعدم الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك حقه في توكيل محامٍ بحرية وأمان.
دعت “الهيئة الحقوقية” المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان إلى التحرك الفوري لحماية المحامي وكل المدافعين عن الحقوق في السودان من هذه الممارسات التي تعوق تحقيق العدالة وتحمي الحريات.
قال مصدر قضائي إن اعتقال المحامي منتصر عبد الله يتعارض مع قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 الذي يضمن حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ للدفاع عنه، “وفي حالة عبد الله، هو محامٍ مرخص له ومسموح له بممارسة هذا الحق”. وأوضح أن احتجاز المحامي وتحويله إلى متهم، دون أن يكون له ذكر في البلاغات المقدمة ضد القوى المدنية أو في أي بلاغ آخر، “يعتبر مجرد مسألة كيدية سياسية”.
أشار، في تصريح لـ”الشرق الأوسط”، إلى أن “هذا الفعل يُظهر استغلال القانون لمواجهة الخصوم السياسيين، مما يهدد مبدأ المحاكمة العادلة”. وذكر المصدر القضائي، الذي فضل عدم كشف هويته، أن “هذه الإجراءات تُعتبر وسيلة للتخويف والترهيب، بهدف منع أي محامٍ من الدفاع عن القادة السياسيين”.
من ناحية أخرى، أوضح محامٍ من “التحالف الديمقراطي للمحامين” (وهي هيئة تضم قانونيين من جميع القوى السياسية) أن تأخير تقديم المحامي منتصر عبد الله لأكثر من 7 أشهر “يعتبر جزءاً من العقوبة التي يتعرض لها من قبل القضاء السوداني”. وأضاف: “لم يرتكب أي جريمة ولا توجد أي أدلة تدينه، فهو كان يمارس حقه في تأدية مهامه المهنية، واعتقاله يعد انتهاكاً دستورياً كبيراً يلغي حقوقه كمحامٍ”. وكشف المصدر القانوني عن أن المقرر الخاص لحقوق الإنسان قد تواصل مع الحكومة السودانية في هذا الصدد، لكنها لم تستجب أو ترد على طلبه. وأشار إلى أن هناك ما لا يقل عن 300 شخص محتجزين في سجون بورتسودان بتهم مشابهة، بينهم أطباء ومهندسون ومديرو شركات، ولا يحصلون على حقوقهم في محاكمة عادلة

