اقتصاد

فضيحة مدوية تهز التأمينات في السودان.. “سرقة بالقانون”

الخرطوم | الآن نيوز

في بلدٍ تتهاوى فيه قيمة العملة يومًا بعد آخر، تتكشف واحدة من أكثر القضايا المالية تعقيدًا وإثارة للجدل؛ آلاف العاملين بالمنظمات الدولية في السودان يقولون إن مدخراتهم التأمينية “تبخرت” بين فروقات سعر الصرف والانهيار الاقتصادي، بعدما استُقطعت مستحقاتهم بالدولار، ثم أُعيدت إليهم بالجنيه السوداني وفق أسعار صرف قديمة لا تعكس قيمتها الحقيقية.

بالدولار تُقتطع… وبالجنيه تتآكل

فجّر موظف سابق بإحدى المنظمات الدولية ملفًا وصفه بـ«المظلمة المالية الكبرى»، كاشفًا لـ«العودة» تفاصيل ما يحدث لاستقطاعات التأمينات الاجتماعية الخاصة بالعاملين الذين يتقاضون رواتبهم بالعملة الأجنبية.

وقال الموظف إن التأمينات كانت تخصم شهريًا ما يعادل 25% من راتبه البالغ 2000 دولار، أي نحو 500 دولار شهريًا تُورّد بصورة منتظمة عبر النظام المصرفي، قبل أن يكتشف لاحقًا أن تلك الأموال لا تُعاد بذات القيمة أو حتى بما يعادلها الحقيقي عند نهاية الخدمة.

وأضاف:

«بعد سنوات من العمل فوجئت بأن التأمينات تحسب مستحقاتي بالجنيه السوداني وفق سعر الدولار الرسمي القديم وقت الخصم، وكأن الزمن توقف عند ذلك التاريخ».

صدمة الاستحقاقات

بحسب إفادته، فإن استقطاعات تمت في عام 2020 عندما كان الدولار الرسمي يعادل نحو 100 جنيه، يجري احتسابها اليوم بالسعر ذاته، رغم أن الدولار تجاوز حاليًا حاجز 4000 جنيه في السوق الموازية.

وأوضح بالأرقام:

«لو خُصم مني وقتها 2000 دولار، تتم إعادتها اليوم بما يعادل 200 ألف جنيه فقط، وهي قيمة لا تساوي فعليًا سوى عشرات الدولارات».

ويقول إن الخسائر تراكمت بصورة ضخمة مع ارتفاع سعر الصرف خلال السنوات الأخيرة، لافتًا إلى أن مبالغ كبيرة خُصمت منه في سنوات لاحقة، لكنها فقدت معظم قيمتها بسبب طريقة التسوية الحالية.

تأخير يضاعف الخسائر

ولم تتوقف الأزمة عند فروقات العملة فقط، بل امتدت – بحسب العامل – إلى التأخير الطويل في صرف المستحقات بعد انتهاء الخدمة.

وأوضح أنه غادر عمله في مارس 2025 عندما كان الدولار يتراوح بين 2400 و2450 جنيهًا، لكن مستحقاته لم تُصرف حتى الآن، في وقت تجاوز فيه سعر الدولار 4200 جنيه، ما يعني فقدان جزء ضخم من القوة الشرائية لأمواله.

وقال:

«كل يوم تأخير يعني خسارة جديدة… أموالنا تذوب أمام أعيننا».

من المستفيد من فرق العملة؟

العامل السابق وجّه اتهامًا مباشرًا للآلية المصرفية المعتمدة في تحويل الأموال، متسائلًا عن الجهة التي تستفيد من فروقات سعر الصرف الناتجة عن تحويل الاستقطاعات من الدولار إلى الجنيه بالسعر الرسمي.

وأشار إلى أن المنظمات الدولية تقوم بتحويل الأموال بالدولار عبر البنوك، قبل أن تُحوّل لاحقًا إلى الجنيه السوداني عند توريدها للتأمينات الاجتماعية، مضيفًا:

«نحن نعتقد أن البنوك تستفيد من فرق العملة، بينما يتحمل الموظف وحده الخسارة».

خبراء: “مظلمة حقيقية”

الخبير المصرفي الدكتور دفع الله عبد الكريم أكد أن الأزمة تعكس خللًا اقتصاديًا وهيكليًا عميقًا، موضحًا أن السودان يُعد نموذجًا واضحًا للاختلالات النقدية الناتجة عن التضخم وانهيار العملة المحلية.

وقال إن أي مدخرات تُحفظ بالجنيه السوداني في ظل هذه الظروف تكون معرضة لفقدان جزء كبير من قيمتها الحقيقية، مشيرًا إلى أن الاحتفاظ بأموال التأمينات بالدولار كان سيضمن حماية أكبر لحقوق العاملين.

وأضاف:

«العاملون يعانون بالفعل من مظلمة حقيقية، لأن استرداد الأموال بالجنيه بعد سنوات طويلة يعني عمليًا فقدان معظم قيمتها الشرائية».

كما أقر بإمكانية استفادة بعض البنوك من فروقات سعر الصرف، لكنه شدد على أن جوهر الأزمة يرتبط بطريقة إدارة أموال صندوق الضمان الاجتماعي والقوانين المنظمة له.

مخالفة قانونية؟

من جانبه، وصف المستشار القانوني الدكتور عثمان عبد الوهاب ما يحدث بأنه «إخلال تعاقدي واضح»، معتبرًا أن إعادة الأموال بعملة فقدت معظم قيمتها يتعارض مع فلسفة قوانين العمل والتأمينات.

وقال إن العامل الذي تُخصم أمواله بالدولار يفترض قانونيًا أن تُحفظ قيمتها الحقيقية عند الاسترداد، مضيفًا أن فقدان ما بين 80% إلى 90% من القيمة الشرائية يجعل نظام التأمينات يفقد الغاية التي شُرع من أجلها.

دعوات عاجلة للإصلاح

الخبراء طالبوا بمراجعة شاملة لقانون التأمينات والضمان الاجتماعي، ووضع آليات تضمن حماية أموال العاملين من التآكل بفعل التضخم وتقلبات سعر الصرف، مع تطوير سياسات استثمار عادلة وشفافة تعيد للمؤمن عليهم حقوقهم الحقيقية.

وفي ظل الانهيار الاقتصادي المتواصل، تبقى تساؤلات آلاف العاملين معلقة:

كيف تُقتطع الأموال بالدولار… ثم تتبخر قيمتها عند الاسترداد؟

ومن يتحمل مسؤولية ضياع مدخرات سنوات طويلة من العمل؟

المصدر صحيفة العودة

زر الذهاب إلى الأعلى