
خطى السودان خطوة جديدة في مسار التحول نحو استخدام السيارات الكهربائية، مع إعلان شركة جياد للسيارات توقيع اتفاقية مع شركة النيل للبترول لتوفير خدمة شحن السيارات الكهربائية عبر 100 محطة على الطرق السريعة، في مشروع يستهدف دعم البنية التحتية اللازمة لانتشار المركبات الكهربائية وتسهيل حركة مستخدميها بين المدن والولايات.
وقالت شركة جياد للسيارات، في منشور لها اليوم السبت، إن الاتفاقية تأتي في إطار تعزيز الخدمات الذكية وتلبية تطلعات المواطنين، واصفة الخطوة بأنها تحرك جاد نحو المستقبل، من خلال توفير حلول أكثر سهولة للتنقل باستخدام الطاقة النظيفة.
ويمثل إنشاء شبكة واسعة لمحطات الشحن أحد أبرز المتطلبات لانتشار السيارات الكهربائية في السودان، إذ لا يرتبط نجاح التجربة بتوفير المركبات وحدها، وإنما بوجود بنية تحتية تتيح للسائق إعادة شحن مركبته داخل المدن وعلى الطرق القومية، بما يقلل ما يعرف بـ”قلق المدى” ويجعل السيارات الكهربائية خياراً أكثر عملية للرحلات الطويلة.
100 محطة على الطرق السريعة
وتكتسب الاتفاقية بين جياد والنيل للبترول أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة شبكة الطرق السودانية واتساع المسافات بين المدن. ومن شأن توزيع محطات الشحن على الطرق السريعة أن يوفر نقاط توقف لمستخدمي السيارات الكهربائية، ويمهد تدريجياً لقيام منظومة متكاملة لخدمات المركبات الكهربائية، بدلاً من اقتصار استخدامها على نطاقات حضرية محدودة.
ولم تكشف الشركة، في الإعلان المتاح، عن تفاصيل مواقع المحطات أو قدرتها التشغيلية ونوع أجهزة الشحن المستخدمة أو الجدول الزمني لتنفيذ المشروع، وهي تفاصيل ينتظر أن تحدد مدى سرعة استفادة ملاك السيارات الكهربائية من الشبكة الجديدة.
وكان مدير شركة جياد للسيارات، المهندس الفاتح عوض عبد الله، قد أعلن في يناير 2026 أن المجموعة تستهدف إطلاق مشروع للعربات الكهربائية لأول مرة في السودان خلال الربع الأول من العام، مشيراً إلى أن العمل على المشروع بدأ فعلياً منذ مطلع 2025. وقال إن التركيز سيكون، بصورة خاصة، على السيارات الاقتصادية الصغيرة ذات التكلفة التشغيلية المنخفضة والملائمة للاستخدام داخل المدن.
بداية سودانية لتجربة السيارات الكهربائية
لم تبدأ فكرة السيارات الكهربائية في السودان من اتفاقية محطات الشحن الحالية، بل جاءت ضمن توجه أوسع لدى مجموعة جياد للدخول إلى سوق المركبات الكهربائية والهجينة.
وفي سبتمبر 2024، شهدت العاصمة الصينية بكين توقيع اتفاق بين مجموعة جياد للصناعات الهندسية وعدد من الشركات الصينية العاملة في صناعة السيارات الكهربائية والشاحنات والآليات، بينها دونغفنغ موتورز وشركات صينية أخرى، في خطوة عكست توجه المجموعة نحو توسيع شراكاتها في قطاع المركبات الحديثة.
وفي يناير 2026، أعلنت جياد رسمياً أن مشروع المركبات الكهربائية بات ضمن خططها الجديدة، مؤكدة أن التحول إلى هذا النوع من المركبات يستهدف تقليل استهلاك الوقود وخفض تكاليف الصيانة، إلى جانب توطين صناعة المركبات وتوسيع القاعدة الإنتاجية في قطاع النقل السوداني.
كما تحدثت الشركة عن حلول موازية تشمل الشحن المنزلي ومحطات شحن تعمل بالطاقة الشمسية، إضافة إلى محطات للشحن السريع في المدن وحواضر الولايات وعلى الطرق الوطنية، على أن يتوسع انتشارها تدريجياً مع زيادة عدد السيارات الكهربائية في البلاد.
جياد.. أكثر من عقدين في صناعة السيارات
تُعد شركة جياد للسيارات إحدى شركات مجموعة جياد للصناعات الهندسية، التي تأسست عام 1993، وتعمل في قطاعات صناعية متعددة، بينها صناعة المركبات والشاحنات والجرارات وخدمات السيارات والصناعات الهندسية.
وتشير البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لشركة جياد للسيارات إلى أن الشركة تأسست في 7 أغسطس 2004، وتعمل في تصنيع وتجميع السيارات والشاحنات الخفيفة، وتقع مصانعها على طريق الخرطوم–مدني جنوب العاصمة. كما تضم منشآتها مصانع لبناء هياكل السيارات والطلاء والتجميع النهائي وصناعة الفلاتر.
وخلال مسيرتها، عملت الشركة في إنتاج وتسويق طرازات لعلامات عالمية، من بينها هيونداي وشيري وبي واي دي وسانغيونغ ودونغفنغ، إلى جانب منتجات تحمل اسم جياد. وتكشف قائمة منتجاتها الحالية عن وجود سيارات من شيري وهيونداي وبي واي دي ضمن تشكيلتها.
ويضع دخول المركبات الكهربائية جياد أمام مرحلة مختلفة عن تجربة التجميع التقليدية، إذ تتطلب السيارات الكهربائية منظومة جديدة من المعرفة الفنية والصيانة وقطع الغيار وإدارة البطاريات وأنظمة الشحن، فضلاً عن تدريب الفنيين وتوفير معايير السلامة المناسبة.
هل يملك السودان مقومات نجاح التجربة؟
تبدو السيارات الكهربائية جذابة للسوق السوداني من زاوية خفض الاعتماد على الوقود وتقليل تكاليف التشغيل والصيانة، خصوصاً مع ارتفاع أهمية كفاءة استهلاك الطاقة بالنسبة للمستهلك.
لكن نجاح التجربة لا يتوقف على السيارات أو محطات الشحن فقط؛ فهناك تحديات تتعلق باستقرار إمدادات الكهرباء، وتوفير قطع الغيار والكوادر المتخصصة، وتكلفة شراء المركبات، إضافة إلى ملاءمة البطاريات للظروف المناخية القاسية والمسافات الطويلة.
وتشير التجربة الفنية العالمية إلى أن السيارات الكهربائية تعتمد على بطاريات قابلة للشحن ومحركات كهربائية، وتختلف عن السيارات التقليدية في منظومة الحركة والصيانة، كما يمكن شحنها من المنزل أو من محطات عامة مخصصة لذلك.
وفي السياق السوداني، تبدو الطاقة الشمسية خياراً مهماً يمكن أن يساند منظومة الشحن، خصوصاً في المناطق التي تعاني ضعفاً أو عدم استقرار في إمدادات الشبكة الكهربائية. وكانت جياد قد أشارت بالفعل إلى خطط لاستخدام محطات شحن تعتمد على الطاقة الشمسية ضمن رؤيتها للبنية التحتية الخاصة بالمركبات الكهربائية.
بيئة تنظيمية أكثر تشجيعاً
ويتزامن مشروع البنية التحتية الجديد مع خطوات حكومية لتشجيع المركبات الموفرة للطاقة. ففي يوليو 2026، وافقت وزارة المالية على إدخال السيارات الهجينة ضمن المركبات المشمولة بالتخفيضات الجمركية، بينما ظلت السيارات الكهربائية خاضعة لرسم وارد بنسبة 10% مع إلغاء الرسم الإضافي، وفق ما أوردته تقارير سودانية.
ويعني ذلك أن سوق السيارات الكهربائية والهجينة في السودان يتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه: مركبات جديدة، وشبكة شحن، وشراكات صناعية، وحوافز جمركية. وإذا نجحت هذه العناصر في العمل بصورة متكاملة، فقد تنتقل السيارات الكهربائية من كونها تجربة محدودة إلى قطاع جديد داخل سوق النقل السوداني.
وبالنسبة لاتفاقية جياد والنيل للبترول، فإن أهمية مشروع الـ100 محطة لا تكمن فقط في عدد المحطات، وإنما في كونه يضع الأساس لشبكة شحن تمتد خارج المدن. فكلما اتسعت هذه الشبكة، أصبحت السيارة الكهربائية أكثر قابلية للاستخدام في الرحلات بين الولايات، وهو ما يمثل الاختبار الحقيقي لمدى قدرة السودان على الانتقال من تجربة السيارات الكهربائية إلى منظومة نقل كهربائية متكاملة.

