إحباط تهريب 30 جهاز كشف ذهب و770 هاتفاً بميناء سواكن.. تعرف على تفاصيل الضبطية
الخرطوم | الآن نيوز
أحبطت دائرة جمارك ميناء الأمير عثمان دقنة بمدينة سواكن محاولة تهريب عدد من أجهزة كشف الذهب ومئات الهواتف المحمولة وملحقات أجهزة الكشف، بعد ضبطها مخبأة بطريقة احترافية داخل أمتعة المسافرين بصالة الوصول.
وقالت قوات الجمارك، في منشور صحفي صادر عن إعلامها، إن الضبطية جاءت نتيجة لليقظة والحس الأمني والمهني لمنسوبي الجمارك، وقدرتهم على اكتشاف أساليب الإخفاء والتمويه التي تستخدم في عمليات التهريب.
وأوضح مدير دائرة جمارك ميناء الأمير عثمان دقنة، العميد عصمت أوشيك، أن القوات تمكنت من ضبط 30 جهازاً لكشف الذهب من ماركة «الوحش»، إلى جانب 770 جهاز هاتف محمول، كانت مخبأة داخل عفش المسافرين بصالة الوصول.
كما أعلنت الجمارك ضبط كمية أخرى من ملحقات أجهزة كشف الذهب، بعد إخفائها بعناية داخل أمتعة المسافرين، في محاولة لإدخالها إلى البلاد بعيداً عن الإجراءات الجمركية والقانونية.
وتأتي الضبطية في وقت يمثل فيه ضبط حركة السلع والبضائع عبر المنافذ الحدودية والموانئ أهمية متزايدة بالنسبة للاقتصاد السوداني، في ظل الضغوط التي تواجه الاقتصاد نتيجة الحرب وتراجع النشاط الإنتاجي والتجاري. ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد السوداني تعرض لانكماش حاد منذ اندلاع الحرب، مع تضرر قطاعات الإنتاج والخدمات والتجارة والبنية التحتية.
ميناء سواكن.. بوابة بحرية ذات أهمية استراتيجية
يمثل ميناء الأمير عثمان دقنة في سواكن إحدى البوابات البحرية المهمة لحركة الركاب والبضائع بين السودان والخارج، وهو ما يجعل الرقابة على حركة الدخول والخروج عبره جزءاً أساسياً من منظومة حماية الحدود والاقتصاد الوطني.
وتكتسب الموانئ أهمية خاصة في مكافحة التهريب، باعتبارها نقاطاً رئيسية تمر عبرها كميات كبيرة من السلع والبضائع والمسافرين. ولذلك فإن أي ثغرات في إجراءات التفتيش والرقابة يمكن أن يستغلها المهربون لإدخال سلع دون تسجيل أو تحصيل الرسوم والضرائب المستحقة عليها.
ولا تقتصر خطورة التهريب على فقدان الدولة للإيرادات الجمركية، إذ يمكن أن يؤدي إلى تشوه الأسواق المحلية، والإضرار بالتجار الملتزمين بالإجراءات الرسمية، وخلق منافسة غير عادلة لصالح النشاط غير القانوني.
الذهب.. ثروة تحتاج إلى حماية
وتكتسب أجهزة كشف الذهب أهمية خاصة في السودان بسبب اتساع نشاط التعدين الأهلي، الذي يمثل أحد المكونات الرئيسية لقطاع الذهب في البلاد. ووفق بيانات نقلتها مصادر حديثة عن قطاع التعدين، يسهم التعدين التقليدي بنحو 80% من إنتاج الذهب السوداني، بينما تأتي النسبة المتبقية من الشركات المنظمة.
ومن هنا، فإن تهريب الذهب أو الأدوات المرتبطة بالتنقيب غير المنظم لا يمثل مجرد مخالفة جمركية، وإنما يرتبط بقضية أوسع تتعلق بحماية الموارد الطبيعية وضمان دخول عائداتها إلى الدورة الاقتصادية الرسمية.
وكانت الحكومة السودانية قد ناقشت خلال الفترة الأخيرة قضايا تنظيم قطاع التعدين وتهريب الذهب، في اجتماعات ضمت الأجهزة الاقتصادية والشرطية والأمنية، في ظل اعتبار مكافحة تهريب الذهب جزءاً من حماية الاقتصاد الوطني.
كما اتخذ بنك السودان المركزي خلال مايو 2026 إجراءات هدفت إلى تشجيع تصدير الذهب عبر القنوات الرسمية وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما يوضح أهمية إحكام السيطرة على حركة الذهب وإبقائها داخل المنظومة الرسمية.
التهريب.. خسارة تتجاوز الرسوم الجمركية
يمثل التهريب أحد التحديات التي تضرب الاقتصاد من أكثر من اتجاه. فدخول السلع بعيداً عن القنوات الرسمية يعني فقدان الدولة لجزء من الرسوم والضرائب، لكنه في الوقت ذاته يخلق سوقاً موازية يصعب على الدولة مراقبتها أو تنظيمها.
كما يمكن أن يؤدي انتشار السلع المهربة إلى إضعاف الشركات والتجار الذين يعملون بصورة قانونية ويتحملون تكلفة الاستيراد والرسوم والإجراءات النظامية، بينما يحصل المهرب على ميزة سعرية نتيجة تجاوز تلك الالتزامات.
وفي حالة الهواتف المحمولة، على سبيل المثال، لا تتوقف المسألة عند الرسوم الجمركية، وإنما تمتد إلى القدرة على معرفة حركة الأجهزة الموجودة في السوق ومصادرها ومدى مطابقتها للأنظمة المعمول بها.
أما في ما يتعلق بأجهزة كشف الذهب، فإن إدخالها بصورة غير قانونية يمكن أن يزيد من صعوبة تنظيم نشاط التعدين وتتبع سلاسل إنتاج الذهب، خصوصاً في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الذهب كمصدر مهم للنقد الأجنبي.
لماذا تحتاج مكافحة التهريب إلى أكثر من التفتيش؟
تؤكد هذه الضبطية أن كفاءة العنصر البشري في المنافذ الحدودية تظل عاملاً أساسياً في مكافحة التهريب، لكن مواجهة الظاهرة بصورة مستدامة تحتاج إلى منظومة متكاملة لا تعتمد على التفتيش اليدوي وحده.
ويحتاج السودان إلى تحديث منظومة الرقابة الجمركية في الموانئ والمعابر، وتوسيع استخدام أجهزة الفحص بالأشعة والأنظمة الإلكترونية، وربط بيانات الجمارك بالمعلومات الخاصة بالشحنات والمسافرين والتجار.
كما أن التحول الرقمي في إجراءات الاستيراد والتخليص الجمركي يمكن أن يقلل مساحة التدخلات غير الضرورية، ويرفع القدرة على تتبع البضائع منذ دخولها الميناء وحتى وصولها إلى الأسواق.
وتبرز كذلك أهمية إنشاء قواعد بيانات مشتركة بين الجمارك والشرطة والأجهزة الأمنية والجهات الاقتصادية، بحيث يتم تحليل حركة السلع وتحديد الأنماط غير المعتادة بدلاً من الاعتماد فقط على اكتشاف المخالفة بعد وصولها إلى صالة الوصول أو السوق.
وتأتي هذه الحاجة في ظل توجه رسمي نحو تعزيز الإجراءات الإلكترونية وتنظيم الاستيراد لتحقيق قدر أكبر من التوازن في حركة التجارة، وهي إجراءات أعلنت عنها الحكومة خلال العام الجاري.
مكافحة التهريب تبدأ من معالجة أسبابه
ولا يمكن القضاء على التهريب بالوسائل الأمنية وحدها. فكلما اتسعت الفجوة بين السوق الرسمي والسوق الموازي، ارتفعت الحوافز أمام المهربين.
لذلك فإن مكافحة الظاهرة تحتاج إلى سياسات جمركية وتجارية واقعية، وتبسيط إجراءات الاستيراد، وتقليل التعقيدات غير الضرورية، وتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، وضمان استقرار السياسات النقدية والمالية.
كما تحتاج الدولة إلى تعزيز الرقابة على المنافذ البرية والبحرية والجوية، وتطوير التعاون مع الدول المجاورة لتبادل المعلومات حول شبكات التهريب ومساراتها، لأن عمليات التهريب بطبيعتها لا تتوقف عند حدود دولة واحدة.
وتظل حماية العاملين في الجمارك وتوفير التدريب والحوافز لهم جزءاً مهماً من المعادلة، إلى جانب تشديد الرقابة الداخلية والمساءلة لمنع تحول بعض عناصر المنظومة نفسها إلى جزء من المشكلة.
حماية الاقتصاد تبدأ من الميناء
وبينما تكشف ضبطية ميناء الأمير عثمان دقنة عن محاولات متكررة لاستغلال حركة المسافرين والأمتعة في تمرير سلع بعيداً عن الرقابة، فإنها في المقابل تبرز أهمية الدور الذي تؤديه الأجهزة الجمركية في حماية الاقتصاد والحدود.
وفي بلد يواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة، تصبح كل سلعة تمر عبر المنافذ الرسمية جزءاً من معادلة الإيرادات العامة وسلامة السوق وتوفير النقد الأجنبي.
ومن ثم، فإن تطوير الرقابة في ميناء سواكن وبقية الموانئ والمعابر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً أمنياً فقط، وإنما باعتباره استثماراً في حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإيرادات، وتنظيم التجارة، وحماية الموارد السودانية من الاستنزاف خارج القنوات الرسمية.
وتبقى الضبطيات الفردية، مهما بلغت قيمتها، جزءاً من المعركة؛ أما النجاح الحقيقي في مكافحة التهريب فيقاس بقدرة الدولة على بناء منظومة تمنع التهريب قبل وقوعه، وتكشف شبكاته، وتتبع الأموال والعائدات الناتجة عنه، وتضمن أن تمر التجارة عبر قنوات قانونية وشفافة تخدم الاقتصاد السوداني.

