معلومات مهمة ومثيرة في الجزء الثاني والأخيرة من الحوار مع د/منجد الصادق المحامي حول “مكافحة جريمة غسل الأموال في السودان
الخرطوم | الآن نيوز

في هذه الجزء، سنتطرق إلى مجموعة من الأسئلة الهامة المتعلقة بمكافحة جريمة غسل الأموال في السودان. كيف يتم تطبيق العقوبات القانونية على مرتكبي هذه الجريمة؟ ما هي آليات حماية الشهود والمبلغين عن هذه الجرائم؟ وكيف يتم التعاون مع السلطات الأجنبية لمكافحة هذه الجريمة؟
سنناقش أيضًا التحديات التي تواجه مكافحة غسل الأموال في السودان، والضمانات القانونية التي تحمي حقوق المتهمين. بالإضافة إلى ذلك، سنتطرق إلى كيفية استرداد الأموال المهربة، وتطبيق القوانين الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال في السودان.د. منجد الصادق، المحامي الخبير في القانون الجنائي الاقتصادي، سيقدم لنا رؤية شاملة حول هذه القضايا، وسيوضح لنا كيف يمكن للسودان تعزيز جهوده لمكافحة هذه الجريمة الخطيرة.
حوار مي علي ادم
د. منجد *ماهي العقوبات المترتبة على ارتكاب جريمة غسل الأموال في السودان؟*
تعد عقوبات غسل الأموال في السودان من العقوبات الصارمة، وهذا يعكس جدية المشرع في مكافحة هذه الجريمة الاقتصادية، وقد نص عليها قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014 وتعديلاته، مع مراعاة ضوابط الإجراءات القانونية والإجراءات الجنائية. والتحليل القانوني لهذه العقوبات يكشف عن ثلاثة أبعاد: عقوبة جنائية مباشرة على مرتكبي الجريمة، المسؤولية المدنية المتعلقة بالمصادرة، والمسؤولية التأديبية على المؤسسات المالية.
أولاً: العقوبة الجنائية على مرتكب الجريمة. يقوم القانون السوداني على تجريم أي فعل يهدف إلى إخفاء أو تمويل أو تمويه أو استخدام أموال متحصلة من جريمة. كل ما يشكل أي معاملة لتحويل مال من مصدر غير مشروع إلى دمجه في الاقتصاد المشروع. وهذه تشمل السجن لمدة قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر حسب خطورة الفعل الجنائي، والغرامة المالية، وأحياناً قد تصل إلى ضعف قيمة الأموال محل الجريمة. وكذلك إذا كان هناك عود قد تتضاعف العقوبة السالبة للحرية وتتضاعف العقوبة المالية. كذلك من العقوبات المصادرة، وهي مصادرة الأموال والوسائل المستخدمة. والقانون لم يقف عند مصادرة الأموال فقط وإنما الوسائل المستخدمة في تبييض وغسل هذه الأموال، سواء كانت الأموال نقدية أو أصولاً عقارية أو استثمارات، ومصادرة الأدوات والوسائل المستخدمة في الجريمة مثل الحسابات المصرفية والشركات الصورية والسيارات أو المعدات التي استُخدمت في إكمال عملية غسل الأموال، ومصادرة الأموال دون إدانة في بعض الحالات إذا كان يمكن إثبات ارتباط الأموال بالجريمة بدرجة كافية وحتى في حال غياب حكم جنائي نهائي يتعلق بالجريمة. وهذا يتماشى مع المعايير الدولية، وهذا يعني أن هناك فصلاً متعلقاً في العقوبة بين الجريمة الأصلية التي نتج عنها المال غير المشروع وجريمة غسل الأموال. يعني هذا لا يشترط في الجريمة الأصلية أن تكون هناك إدانة، بل يكفي أن يكون هناك اشتباه معقول بارتباط الأموال بهذه الجريمة. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أن العقوبة على الجريمة الأولى (الجريمة الأصلية) التي نتج عنها المال لا تعفي من العقوبة في جريمة غسل الأموال، هذا يبين أن الأمرين منفصلان تماماً.
والعقوبات على المؤسسات المالية (البنوك، شركات التأمين، شركات الصرافة) وهي مسؤولة عن تطبيق نظم الامتثال، وعند الإخلال قد تواجه الغرامات الإدارية، سحب الرخصة أو الترخيص أو تعليق الترخيص لمزاولة النشاط المالي (مسألة مدنية). وإذا تسبب الإخلال في أضرار للعاملين أو للدولة، مسؤولية جنائية للشخص الاعتباري أو الموظفين إذا ثبت التواطؤ والعلم بالجريمة. من زاوية القانون الجنائي والفلسفي نجد أن الجريمة الجنائية تهدف إلى الردع والعقاب وتبرز جدية الدولة في مواجهة الجريمة الاقتصادية، والمصادرة أيضاً تمثل بعداً اقتصادياً يحرم الجاني من المنفعة الاقتصادية للجريمة، وهذا يتوافق مع فلسفة تجفيف منابع الأموال غير المشروعة. وكذلك المسؤولية المؤسسية تعكس تحول الشركات إلى شريك في المكافحة، وتُظهر أن القانون لا يركز فقط على الأفراد بل على البيئة المالية وكل من يرفع فعالية النظام وكفالة الامتثال.
**ماهية الضمانات القانونية لحماية حقوق المتهمين في جرائم غسل الأموال؟*
فيما يتعلق بالضمانات القانونية لحماية حقوق المتهمين في جرائم غسل الأموال في السودان، ذكرنا أن جريمة غسل الأموال من الجرائم المعقدة وتتسم بطابع مالي عابر للحدود، وهذا يفرض على التشريع السوداني والمؤسسة القضائية تحقيق توازن دقيق بين مكافحة الجريمة المالية وحماية حقوق المتهمين، ولضمان الإجراءات وفعالية النظام القضائي حاول قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2014 التوفيق بين هذين البعدين متأثراً بالمعايير الدولية واتفاقية الأمم المتحدة. كما أن قانون الإجراءات الجنائية وقانون 2014 يُصنف ضمن القانون العام وهو قانون جنائي، وبالتالي يخضع لقانون الإجراءات الجنائية. وقانون الإجراءات الجنائية نص على حماية حقوق المتهمين، وهذا القانون مفصل تفصيلاً واضحاً ومبسطاً في حماية حقوق المتهمين، ونحن نعتبره من القوانين الجيدة في حماية حقوق المتهمين إذا طُبق كما جاء في القانون. أول الضمانات الموضوعة للمتهمين في جرائم غسل الأموال أولاً هي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، والقانون السوداني يضمن أن تكون جميع الجرائم والعقوبات محددة وواضحة، وبالتالي لا يمكن توجيه اتهام لمتهم إلا على أساس نصوص محددة مسبقاً، وهذا يحمي المتهم من أي تعسف. وهذا المبدأ يتوافق مع المعايير الدولية المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي تؤكد ضرورة تجريم الجرائم المالية بنصوص واضحة، وضمان أن تكون العقوبات متناسبة مع خطورة الجريمة، وهذا ما حدث في قانون 2014 الذي حدد الجريمة ومعالمها وعقوباتها بشكل واضح. وثانياً من الضمانات حق الدفاع والمحاكمة العادلة، إذ إن القانون ينص على حق المتهم في تعيين محامٍ للدفاع عنه، والاطلاع على الأدلة المقدمة ضده لضمان محاكمة عادلة وعلنية مع الحفاظ على سرية المعلومات عند الحاجة لحماية الشهود والتحقيق. والاعتراض على إجراءات التحفظ والمصادرة المؤقتة، وهذا يضمن عدم التعسف، وكل هذا يتم تحت الرقابة القضائية، وهذه الضمانة القضائية كفك التجميد ورفع المصادرة، بالإضافة للطعون والاستئنافات التي ينظمها قانون الإجراءات الجنائية بالقراءة مع قانون 2014 الخاص بمكافحة جريمة غسل الأموال. وعلى المستوى الدولي يلتزم السودان بمعايير العدالة الجنائية الدولية المنصوص عليها في المعايير الدولية مثل المادة (14) من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية والتي تؤكد حق المتهم في محاكمة عادلة. والضمانات المتعلقة كذلك بالتحفظ والمصادرة حيث إن القانون أكد أنه لا يجوز للسلطات مصادرة الأموال إلا بقرار قضائي، وهو ما يحمي المتهم من الإجراءات التعسفية، ولكن نجد بعض الحالات يجوز للجهات غير العدلية حجز الأموال كما هو النص في قانون 2014 ولكن تحت إشراف الرقابة القضائية، حيث يجوز للمتهم الاستئناف للنيابة ثم القضاء. وهكذا كذلك يحق للمتهم الطعن أمام القضاء في قرار التحفظ أو المصادرة وتقديم الأدلة التي تثبت عدم تورط الأموال في أي نشاط إجرامي، لذلك يسمح القانون باسترداد الأموال بعد حكم قضائي نهائي، مع توفير آليات الطعن في حالة وجود خطأ أو تجاوز من السلطة. هذه الإجراءات تحاكي أفضل الممارسات الدولية في توصيات مجموعة العمل المالي رقم (4) ورقم (38) التي تشدد على حماية حقوق المتهمين في سياق التحفظ والمصادرة لضمان النزاهة القضائية. رابعاً حماية المتهم من الانتهاكات وهو الالتزام بالسرية أثناء التحقيقات منعاً لأي تشهير أو تهديد شخصي، ومنع أي شكل من أشكال الانتقام أو التمييز ضد المتهم بسبب تقديم دفاعه أو المعلومات المتعلقة، مما يعكس فلسفة العدالة الوقائية والاستعادة الاقتصادية وحماية المبلغين والشهود، وهذه الطريقة تضمن التوازن بين فعالية التحقيق وحفظ حقوق الأفراد، وهذه قاعدة مستمدة من تجارب دولية مثل النظام الأوروبي لحماية المبلغين عن الجرائم المالية، وهذا يفرد مساحة واسعة جداً للمتهم بأن يقدم ما يشاء من شهود وأدلة في دفاعه. ومضمون هذا كله سواء كان بموجب قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991 وتعديلاته، أو قانون مكافحة جرائم غسل الأموال 2014، أو حتى الوثيقة الدستورية وهي التي تتعلق بالحقوق والحريات. وكذلك من التحديات العملية عند تطبيق هذه الضمانات، رغم النصوص القانونية المتقدمة يواجه التطبيق العملي عدة تحديات تتمثل في ضعف البنية القضائية والرقابية، وهي نقص الخبرات المتخصصة لدى النيابة أو القضاء يجعل متابعة القضايا المالية صعبة بالرغم من وجود قضاة مميزين في السلطة القضائية، هناك خبراء لكنهم محدودون. كذلك الأجهزة الأمنية تعاني من محدودية الموارد البشرية والتقنية وهو ما يعوق الإجراءات في التحفظ والمصادرة وحتى في الاستئناف والطعون وتأخير الإجراءات. كذلك نحتاج للرقابة المباشرة وهذه تحدث غالباً، ونص عليها القانون في المعاملة أثناء التحقيق أو داخل الحراسة. كل هذه نص عليها قانون الإجراءات الجنائية، ولكن في التطبيق قد نجد بعض الأخطاء هنا وهناك في تطبيق القانون وليس في النصوص القانونية
.
**هل هنالك حماية للشهود والمبلغين عن جرائم غسل الاموال وكيف يتم ذلك ؟
فيما يتعلق بحماية الشهود والمبلغين وجهة الإفصاح في جرائم غسل الاموال تعد حجر الزاوية في فعالية نظام مكافحة الجرائم المالية فهي تمثل الضمان الأساسية لاستمرار كشف العمليات المالية غير المشروعة وضمان نزاهة النظام المالي وسلامته فجرائم غسل الأموال دائما تتسم بطابعها المعقدة والمتعددة الأبعاد والمترامي الاطراف العابر للحدود لانه غالبا تتقاطع مع الجريمة المنظمة وتمتد عبر الحدود وهذا يجعل المبلغين والشهود عرضة لتهديدات مباشرة وغير مباشرة من قبل مرتكبي الجريمة سواء علي الصعيد الشخصي او المهني وهنا تنبع اهمية تبني الدولة نظام حماية متكاملة يجمع ما بين والضمانات القانونية والاليات والعملية والاطر الأخلاقية والفلسفية في السودان قبل قانون مكافحة غسل الأموال معروف انو الشاهد محمي وحتي بالشرع ( لا يضار كاتب ولا شهيد )فهذه الحماية العامة ولكن قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وضع حماية خاصة من خلال النصوص والإجراءات التي تتضمن سرية المبلغ وحرية تقديم الإفصاح والحماية من اي شكل من اشكال الانتقام او التمييز مع تمكين الهئيات الرقابة من العمل بكفاءة النصوص القانونية في هذا الصدد تتناول حظر افشاء هوية المبلغ او الكشف عن هوية المعلومات التي قدمها الا بموجب القانون ما يعكس فلسفه حماية الثقة بين المبلغ والسلطات اذ ان الإفصاح عن المعلومات دون حماية. يودي الي انسداد قناة التعاون ويضعف النظام باكمله تتجلي حماية المبلغين عمليا في السماح لهم بالافصاح بشكل مجهول او مشروط وذلك من خلال قنوات موسساتية منظمة مثل وحدات الاستخبارات المالية وهي الية تعكس فلسفه التوازن بين السرية والكشف بحيث تتضمن سرية المصدر مع تمكين السلطات من استخدام المعلومات القانونية في التحقيقات والملاحقات الجنائيه اللاحقة من منظور فلسفي هذه الالية توكد بان العدالة الوقائية المتمثلة في حماية الأفراد والمجتمع من المخاطر قبل وقوع الضرر الكامل ليس مجرد العقاب بعد الجريمة وانما هي الوقايه من الجريمة قبل وقوعها كذلك القانون يوفر حماية من الانتقام والتمييز سواء كان المبلغ موظفا حكوميا او طرفا خاصا وهو ما يعكس فلسفه حماية النظام العام والنسيج الاجتماعي واعتبار التعاون مع القانون واجبا اخلاقيا الي كونه واجبا قانونيا كما بينا بالنسبة للشركات والموسسات المالية هذه الحماية الاستباقية تعتبر احد أركان العقد الاجتماعي الضمني بين الدولة والأفراد مفادها ان الدولة تكفل حماية من يخدم العدالة ويضمن لهم الامان الشخصي والقانوني ويعزز الثقة وثقافة الإفصاح والمسألة القانونية كذلك القانون لا يسال او يحمي الشخص الذي يكون مكلفا بحفظ معلومات ولكن يكشف هذا الشخص ان هنالك جريمة غسل اموال او هنالك اشتباه فيفصح عن هذه المعلومات فان افصاحه هذا يكون افصاحا قانونيا ويقع تحت حماية قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل علي المستوي الدولي تحظي حماية المبلغين عن غسل الأموال والشهود بأهمية كبيرة في الاتفاقيات الدولية والمعايير الدولية علي سبيل المثال توصي مجموعة العمل المالي في معاييرها ان الدول حماية شاملة للمبلغين والشهود وتشمل هذه الحماية السرية والحماية من الانتقام وتيسير الإفصاح عن الأنشطة المشبوهة دون خوف من العقوبة كما تأكد توجيهات الامم المتحدة بشان مكافحة الفساد وتمويل الإرهاب علي ضرورة وجود برنامج حماية للمبلغين بما يعزز التعاون الدولي بين اجهزة التحقيق والرقابة المالية السودان بتواثقه مع هذه المعايير يعكس التزامه بالتصدي لجرائم المالية المنظمة علي مستوي عالمي مع مراعاة خصوصية النظام القانوني المحلي كذلك تتجلي ايضا أهمية ربط الحماية التشريعية بالموسسات حيث يضمن القانون السوداني ان تكون الحماية موسسية وليس فردية مما يعكس فلسفه واضحة لمكافحة هذه الجريمة بطريقه منهجية منظمة حيث تصبح حماية المبلغين جزء من الية الدولة لمكافحة غسل الأموال خلاصة القول بان حماية المبلغين والشهود في القانون السوداني تمثل توازن بين الضمانات القانونية والاليات والعملية وهي واضحة جدا في حماية المفصح وحماية الشاهد في مبدء السرية وفي الحماية حتي لو يتطلب حماية شخصية لشخص اوالموسسة
**كيف يتم تطبيق القوانين الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الاموال في السودان ؟
يمكن أن نتناول هذا الموضوع من منظور قانوني تحليلي شامل يوضح آلية تطبيق القوانين الدولية في السودان وعلاقة السودان بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة جرائم غسل الأموال والإرهاب. في البداية، يمكن أن نميز بين القوانين الوطنية والالتزامات الدولية. السودان منذ البداية اعتمد قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في عام 2014 بتعديلاته، الإطار التشريعي المحلي حدد فيه القانون تعريف الجرائم المالية والالتزامات المتعلقة بالإفصاح عن المعاملات المشبوهة وحماية المبلغين والشهود وآلية التحقيق والملاحقة والعقوبات والأجسام القانونية والرقابية. كل هذه نظمها القانون، وبذلك أصبح القانون مصمماً ليكون متوافقاً مع المعايير الدولية، خاصة توصيات مجموعة العمل المالي واتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة والفساد وتمويل الإرهاب.
آليات تطبيق القوانين الدولية في السودان عبر عدة مستويات:
أولاً، الالتزام بالمبادئ والمعايير الدولية. السودان ملتزم بتوصيات مجموعة العمل المالي بشأن إنشاء وحدات الاستخبارات المالية وإلزام البنوك والمؤسسات المالية بالإبلاغ عن المعاملات المشبوهة والتحقق من هوية العملاء وإجراء مراقبة مستمرة على العمليات المالية عالية المخاطر.
الإدماج التشريعي: نصوص قانون 2014 أخذت في الاعتبار تعريف الجرائم المالية الدولية مثل تعريف جريمة غسل الأموال وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنيةاتفاقية بالميرو 2000م واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003 واتفاقية مكافحة الإرهاب وتمويل الإرهاب، وكذلك مثل قرار مجلس الأمن رقم (1373) 2001.
وبذلك يكون القانون المحلي (قانون 2014) أداة لتطبيق الاتفاقية الدولية على أرض الواقع، مما يتيح تعاوناً مع الأجهزة الرقابية والتحقيق الدولي.
التعاون الدولي: قانون 2014 يسمح للسلطات السودانية بالتعاون مع السلطات الأجنبية وتبادل المعلومات وملاحقة الأموال المتحصلة من جرائم غسل الأموال عبر الحدود، وهذا يعكس التزام السودان بمعايير الأمم المتحدة واتفاقية، ويتيح ذلك مشاركة السودان في التحري وتتبع الشبكات الدولية لغسل الأموال ومكافحة الإرهاب.
بالنسبة للإجراءات الدولية الرئيسة المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتي للسودان علاقة مباشرة بها هي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000، والتي تقريباً صادق عليها السودان، والتي تلزم الدول بتجريم غسل الأموال وتعزيز التعاون الدولي وحماية الشهود والمبلغين، وهذا انعكس في قانون 2004 و2014، وكذلك اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003، وقرار مجلس الأمن (1373) 2001.
تطبيق هذه الالتزامات الدولية على أرض الواقع يعتمد على قوة الأجهزة الرقابية ونظام البنوك وكفاءة وحدات الاستخبارات المالية وقدرة القضاء على التعامل مع القضايا العابرة للحدود. رغم النصوص القانونية المتقدمة، يواجه السودان تحديات تتعلق بالبنية التحتية القانونية والقدرة على التحقيق المالي ومراقبة المؤسسات المالية غير التقليدية.
هذا التداخل بين القانون الوطني والدولي يوضح فلسفة التكامل التشريعي، وهذا بموجبه يصبح القانون المحلي الوطني أداة لتطبيق المعايير الدولية وحماية النظام المالي الوطني، بينما يضمن الانخراط الدولي للسودان في مكافحة الجرائم المالية وتعزيز الثقة في المعاملات الدولية.
وكذلك هنالك اتفاقيات كثيرة تتعلق بتبادل المجرمين سواء كان باتفاقية الرياض أو غيرها من الاتفاقيات الإقليمية أو حتى الاتفاقيات الدولية التي تتعلق بتنظيم تبادل المجرمين، من أساسياتها هذه الجريمة التي تكون عابرة للحدود وتتعلق بتبادل التحقيق القضائي أو التحقيق عبر النيابة العامة أو غيرها من وسائل التحقيق وتبادل المعلومات مع الأجهزة العدلية الأجنبية، وبل وقد تصل إلى تنفيذ الأحكام الأجنبية داخل السودان إذا كان هنالك مجال للاعتراف بهذه الأحكام.
*ماهي آليات التعاون مع السلطات الأجنبية لمكافحة غسل الأموال؟*
يمكن تناولها في ثلاثة محاور رئيسية: أولها آليات التعاون الدولي الحالية، التطبيقات العملية بين الدول، والتوصيات للسودان. وهذا يمكن ربطه بقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2014 بتعديلاته. أولاً: التعاون الدولي لمكافحة غسل الأموال. وهذه المسألة تعتمد على اتفاقيات دولية واتفاقيات إقليمية وتوصيات مجموعة العمل المالي، بحيث يعد التعاون الدولي ضرورة أساسية نظراً لأن الجريمة في غالبها جريمة عابرة للحدود. وأهم هذه الآليات تتمثل في: تبادل المعلومات الاستخباراتية: وهذا من خلال وحدات الاستخبارات المالية المعتمدة التي يمكن من خلالها تبادل المعلومات حول المعاملات المشبوهة بين الدول بطريقة آمنة وفي ذات الوقت سرية. الي جانب. طلبات المعونة القانونية المتبادلة: وهذا يتم بطلب جمع الأدلة والتحقيقات أو مصادرة أصول مالية في دولة أخرى بموجب اتفاقيات ثنائية أو إقليمية أو قبول بين الدول لعملية أو إجراء معين تتوافق عليه دولتان. كذلك. التجميد والاسترداد الدولي للأصول: وهذا تطبيقاً لقرار مجلس الأمن مثل (1373) 2001 واتفاقية الأمم المتحدة، حيث تجمد الدول أصول الأفراد والكيانات المرتبطة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال، ويمكن طلب نقل أو استرداد هذه الأصول عبر القنوات القانونية الدولية المعروفة وهي إجراءات قانونية. . والتعاون في التحقيقات العابرة للحدود: وهذا دائماً ما يشمل التنسيق بين أجهزة الشرطة ووحدات الاستخبارات المالية والسلطات القضائية لضمان فعالية التحقيق والملاحقة القانونية دون التعارض بين (سيادات الدول)، ولكن غالباً في هذه المسائل يكون هنالك تفاهمات بين الدول دون المساس بسيادة دولة. كذلك من اليات التعاون الدولي التدريب وتبادل الخبرات: وتتيح بعض الاتفاقيات الدولية ودورات مجموعة العمل المالي الدولي وتدريب الكوادر المالية والقضائية، وهذه تقوم بعمل مميز جداً في التدريب على كشف هذه الجرائم ومعالجتها والتحقيق فيها. النواحي العملية المطبقة حالياً بين الدول هي: شبكات تبادل المعلومات، الاتفاقيات الثنائية بين الدول بعض الدول لديها اتفاقيات خاصة، بتسهيل الدعاوى القانونية في التحقيقات مثل الاتفاقيات بين الدول العربية وفقا مبادرة مجلس وزراء الدول العربية لمكافحة الجريمة االمالية والمصادرات العابرة الحدود، مراقبة المعاملات عبر البنوك والمؤسسات المالية متعددة الجنسيات، ونجذ ذلك في التوصيات الدولية واشراف مجموعة العمل المالي ومتابعة التحويلات المالية الدولية عالية المخاطر وإبلاغ السلطات الوطنية الأجنبية عند الضرورة. هذه التطبيقات أثبتت فعاليتها في كشف عمليات غسل أموال كثيرة جداً، ولكنها أيضاً تواجه تحديات مثل بطء الإجراءات القضائية العابرة للحدود، ضعف بعض البنية التحتية المالية والقضائية، وصعوبة التعامل مع الدول غير الموقعة على اتفاقيات ثنائية أو غير المتوافقة مع مجموعة العمل الدولية. في السودان، نحن نقترح في هذه المجالات: تفعيل وحدة الاستخبارات المالية السودانية كجهة مركزية للتعاون الدولي، ينبغي ان تكون قادرة هذه الجهات الاستخباراتية الأجسام التي أنشئت بموجب قانون او اللوائح المنظمة هذه الجهات لابد ان تكون قادرة على تلقي الطلبات الدولية وارسالها بسرعه وفعالية ومع ضمان سرية وسلامة المعلومات الي جانب إبرام اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف مع الدول الرئيسة في حركة الأموال عبر الحدود لضمان سرعةالمعونةالقضائية، القانونية والمصادرة والاسترداد الدولي للأصول كذلك نوصي تطوير آليات مصفاة لتبادل المعلومات واستخدام بروتوكولات آمنة ومعتمدة دولياً، لضمان سرعة التواصل وتجنب تسريب المعلومات وكذلك تعزيز التدريب والتأهيل الدولي للكوادر القضائية والمالية، والاستفادة من دورات مجموعة العمل المالي والتعون مع الدول المتقدمة في مجال مكافحة غسل الأموال وتحديث التشريعات لضمان توافقها الكامل مع المعايير الدولية الجديدة مثل توصيات مجموعة.العمل المالي المتعلقة بالموسسات المالية الط.غير التقليدية والمراقبة علي التحويلات العابرة للحدود، وإنشاء وحدة متابعة خاصة بمصادرة واسترداد الدولي للاصول لضمان اي اصول مالية مرتبطة بغسل الأموال يمكن. استردادها وتجميدها بالتنسيق مع السلطات الأجنبية.
**كيف يمكن استرداد الأموال المهربة في جرائم غسل الأموال؟
عملية استرداد الأموال المهربة هي مشكلة عصية ودائماً ما تواجه المتعاملين مع هذه الجريمة والأنظمة القضائية والعدلية، لأنها في غالب الأحوال جريمة عابرة للحدود، ودائماً نتدخل في تعقيدات الاختصاص القضائي والولاية القضائية. وعموماً نحن داخل إطار القانون السوداني 2014، حيث وضع القانون عدة محاذير: تجريم الأموال غير المشروعة، وكذلك تحدث عن المصادرة، وكذلك تناول القانون آلية التحفظ على المال موضوع الجريمة، وتحويل الأموال المستردة للخزينة العامة. هذه هي الترتيبات الداخلية التي وضعها قانون 2014، لكن على صعيد التنازع الدولي هذا تحكمه الاتفاقيات الإقليمية والتفاهمات بين الدول، إذا كان على مستوى الجريمة الواحدة أو على مستوى أوسع. وهنا تأتي طلب المعونة القانونية المتبادلة بين الدول فيما يتعلق بالمعلومات، ويتعلق بالمصادرة أو تجميد الأموال محل الجريمة، وهذه دائماً ما تصطدم بالتعقيدات والسيادة الدولية والأحكام الأجنبية، وتعقيدات يعرفها تماماً القانونيون. وهناك صعوبات غير قانونية مثل تحديد الملكية النهائية للأموال، والتعاون مع هياكل الشركات المعقدة، والحسابات المصرفية العابرة للحدود، وكذلك هناك بطء في الإجراءات القضائية العابرة للحدود، خصوصاً عند اعتمادها مراسلات ومخاطبات طويلة، وهذا يؤدي إلى تهريب الأموال أثناء التحقيق. ولتفادي هذه الإجراءات المعقدة يتطلب ذلك خبرات مالية وقانونية متخصصة لتتبع هذه الأموال عبر النظام المالي الدولي فيما يتعلق باسترداد الأموال المهربة للخزينة الدولة السودانية. يتطلب ذلك تأسيس وحدة متخصصة لاسترداد الأموال المهربة تضم خبراء ماليين وقانونيين للتعامل مع القضايا الدولية المعقدة، وتفعيل الاتفاقيات الدولية بشكل عملي، اتفاقية الأمم المتحدة واتفاقية الإعانة الدولية المتبادلة لسرعة استرداد الأموال، وكذلك تعزيز التعاون مع البنوك والمؤسسات المالية لضمان تجميد الأموال المشتبه فيها فور تلقي المعلومات أو التحقيقات. وأخيراً تبني نظام رقابي صارم يشمل وحدات الاستخبارات المالية، النيابة العامة والقضاء، وتحويل القرارات القضائية إلى إجراءات عملية لاستعادة الأموال بصورة سريعة.
**ماهي الصعوبات والتحديات التي تواجه مكافحة جريمة غسل الأموال في السودان؟
تواجه عملية مكافحة جريمة غسل الأموال تحديات جسيمة تتمثل في الوضع الاقتصادي السوداني المعقد، وكذلك تأثر البنية القانونية قبل وبعد الحرب، وكذلك القدرة الأمنية المحدودة. وهذا يخلق بيئة معقدة لتطبيق التشريعات الوطنية والدولية. كما أن التحديات لم تختصر الثغرات التشريعية فقط، بل امتدت إلى السيولة الأمنية ومحدودية الموارد البشرية والتقنية لدى أجهزة الرقابة والتحقيق. وقد أثر هذا على عدم مقدرة الدولة على حماية الأموال العامة وكشف الجرائم المالية وضمان سلامة المبلغين والشهود.
ومن أول هذه التحديات التي تواجه مكافحة هذه الجريمة هي هشاشة الوضع المالي والاقتصادي في السودان كعامل معيق، وذلك لأن النظام المالي في السودان يعتمد الاقتصاد على المعاملات النقدية المباشرة، بالإضافة إلى وجود سوق موازية للعملات الأجنبية بصورة كبيرة. وهذا يجعل من الصعب على السلطات تتبع الأموال المشبوهة، خاصة عندما تنتقل عبر قنوات غير رسمية أو شركات صرافة غير خاضعة لرقابة بصورة صارمة.
وكذلك من الأسباب والعوائق التي تحد من مكافحة جريمة غسل الأموال في السودان التضخم الحاد وانخفاض قيمة الجنيه السوداني. وهذا يزيد من صعوبة التحكم في التدفقات المالية والتحقق من مصادرها، وهذا يوفر بيئة خصبة لعمليات غسيل الأموال المعقدة والمتعددة الأطراف.
بالإضافة إلى مسألة السيولة الأمنية وأثرها على المكافحة، ومصطلح السيولة الأمنية يقصد به القدرة الفعلية لأجهزة الدولة على تنفيذ الإجراءات الرقابية والتحقيقية في السودان. حيث يمكن القول بأن هذه الأجهزة تعاني إلى حد ما، سواء كان على صعيد الجهات المالية أو النيابة العامة أو الشرطة القضائية. وهذا غالبًا ما يفتقر إلى وجود عدد كاف من المحققين ذوي الخبرة في هذه الجرائم المعقدة، وكذلك إلى جانب ضعف البنية الفنية التقنية وعدم وجود أنظمة إلكترونية متقدمة لمواكبة هذه الجريمة المتطورة يومًا بعد يوم، وذلك لرصد المعاملات العابرة للحدود وتحليل البيانات الضخمة، بحيث يحد من القدرة على الكشف المبكر عن عمليات غسل الأموال.
وكذلك صعوبة حماية المبلغين والشهود، القيود الأمنية تجعل تأمين المبلغين والشهود صعبًا، وهذا يؤثر على كثير من المبلغين والشهود للإفصاح عن هذه الجرائم. وهذه القيود تخلق حالة من عدم التوازن بين النصوص القانونية المتقدمة مثل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب 2014 وتعديلاته، والقدرة الواقعية على تنفيذ ما جاء في هذا القانون، مما يجعل القانون في كثير من الحالات نصًا شكليًا.
ونأمل في أن الطفرات التي يقوم بها البنك المركزي والتسارع الذي يقوم به يجعل هذا القانون من الممكن تطبيقه وأن يتقدم في هذا المجال.
أما التحديات المؤسسية والتنفيذية فتتمثل في ضعف التنسيق بين الأجهزة المختلفة، وغالبًا عندما تكون المعلومات موزعة بين البنوك ووحدات الاستخبارات المالية والنيابة العامة دون وجود نظام واحد فعال.
وكذلك من الصعوبات والتحديات التي تواجه عملية مكافحة الجريمة هي استرداد الأموال العابرة للحدود، وهذا يشمل بطء الإجراءات الدولية ونقص الاتفاقيات الثنائية القوية. وهذا يقيد استرداد الأموال المهربة، خاصة إذا كانت موجودة في دولة لا تلتزم بالمعايير الدولية.
وكذلك من التحديات انتشار وسائل تمويل غير رسمية في السودان، وهي الحوالات النقدية غير الرسمية وطريقة التحويل عبر الحدود دون إشراف مؤسسي. هذه واحدة من التحديات التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في مكافحة هذه الجريمة.
أما إذا نظرنا إلى تحديات مكافحة جريمة غسل الأموال من منظور فلسفي، فهذه التحديات تكشف عن تباين في الإطار القانوني الأمثل والممارسة الواقعية. القانون السوداني يحاول توفير حماية كاملة للمال العام والمبلغين والنزاهة المالية، لكنه يصطدم بحدود القدرة المؤسسية والأمنية. وهكذا يبدو الصراع بين المبدأ الأخلاقي والقانوني في حماية المال وبين واقع القدرة التنفيذية، مما يعكس فلسفة العدالة الوقائية وهي حماية النظام المالي قبل وقوع الضرر الكامل. وهي مهمة صعبة بدون سيولة أمنية كافية وقدرات مؤسسية متقدمة.

